الجمعة، 17 فبراير 2017

الدعوة و صناعة الحياة بقلم الأستاذ حشاني زغيدي

       

         إن حمل رسالة الهداية للناس  بتبليغ رسالة الإسلام  ،   هي   غاية كبيرة ،   حملها الأنبياء عليهم السلام ،  و حملها  بعدهم خاتم الرسل محمد   صلى الله عليه و سلم . هذه الدعوة التي تحمل كل معاني الخير ، ومن  ارشاد الإنسانية كافة  للعبودية الحقة  ، فهذه العبودية التي أوضحتها الآية الكريمة   في قوله  الله تعالى:  " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ 56مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ    "  (58)  من  سورة الذاريات  .

           و إننا نشهد أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد اقام الحجة على  الناس في بيان واجب التبليغ  ،  بيانا كافيا و شافيا في ثلاث و عشرين  سنة  ،  و لو تأملنا جزء من خطبة الوداع لرسولنا لا أدركنا  سمو هذه الدعوة  ،  قال الرسول الكريم في حجة الوداع  كلمات  تبرز جوانب  القيم الانسانية الراقية لهذه الدعوة  ،  جوانب تفتقر إليها حياتنا  اليوم  .   " ...  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَتَدْرُونَ فِي أَيِّ شَهْرٍ أَنْتُمْ ؟ وَفِي أَيِّ يَوْمٍ أَنْتُمْ ؟ وَفِي أَيِّ بَلَدٍ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا: فِي يَوْمٍ حَرَامٍ، وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَبَلَدٍ حَرَامٍ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ وَمَالٍ وَمَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة    "  رواه أحمد عَنْ أَبِي حُرَّةَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عَمِّهِ]
     و سار الصحابة عليهم  الرضوان على خطى الحبيب   ،  يحملون  رسالة الدعوة  بالاقتداء و الأسوة  ، و تابعهم في ذلك التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، و قد تحملوا في سبيل تبليغها  المحن و الشدائد في جهاد طويل صنعوا فيه الروائع في قيادة الدينا و الأخرة ،  هان في سبيلها  كل الصعاب و المحن  ،  يكفي المسلم أن يقرأ  الكريمة  بتدبر ليقف عند الحقيقة ،  قال تعالى: "  أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ  "  من سورة  البقرة 214.
          و فد وقفت عند كلمات الإمام الشهيد حسن البنا  رحمه الله  في بيان رسالة الداعية و بمثل هذه النظرات و بمثل هذا الفهم الرصين العملي ليسير  الدعاة بدعوتهم  في ربوع الدنيا بهذا  النور و الهدي جاء به صاحب الرسالة الخاتمة  صلى الله عليه و سلم   "  هيا أيها الإخوة أفيقوا جميعًا، وأنتم كذلك إن شاء الله، لكنه التذكير فاستيقظوا وعيشوا حياتكم وحياة أبنائكم وبيوتكم مع هذا الحق؛ لتكونوا إن شاء الله شعلةً من الإيمان ونورًا يُستضاء به، ونبراسًا يُقتدى به، وبمقدار إخلاصنا لله وحبنا بصدق لدعوتنا لرسالة الإسلام الخالدة لمنهج الله عزَّ وجلَّ في الأرض؛ بمقدار استقرار هذه المعاني في نفوسنا يكون أثرنا، ويكون تأثيرنا في الآخرين، فقضية الكلام سهلة يستطيعها  كل إنسان لكن يجب علينا أن نعيش قضية الإسلام الكبرى قضية هذا  الحق قضية هذه الرسالة، وأن نحمل همومها، وأن نهتم بكل مسلم على ظهر الأرض ففي الأثر "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" إياكم أن تشغلوا عن دعوتكم بأي شيء آخر، انشغلوا بها وعيشوا لها واستيقظوا من أجلها وابذلوا كل ما تستطيعون في سبيلها، فأنتم بذلك تطرقون أبواب الجنة إن شاء الله. "
   إن الدعوة إلى الله  مركبة آمنة  ،  و سفينة توصل إلى بر الأمان ، لا يسير في ركبها إلا الأطهار ، أطهار  يكون سبيلهم و مرشدهم  تلك الآية العظيمة في معانيها ،  قال الله تعالى: "  قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ   "  (يوسف:108). فالداعية رجل يقود الناس للخير بالحب و الإخاء  ، يقود الناس  يظهر بالخير الذي يحمله  بذلك النموذج العملي  الذي يأسر القلوب بمهارته و إبداعه ،  فهو  يحسن كسب القلوب ، و يجيد فن الخطاب و التوصيل  ، فهو  يبعث الأمل في النفوس ،   و فوق ذلك هو رجل ناجح في حياته  و في آخر المقالة وجدت كلمات أحسبها تستحق الوقوف عندها لرجل صاغ حياته بالدعوة و أفنى عمره  يرسل رسائل حب الدعوة في نفوس الشباب يقول الأستاذ عباس السيسي رحمه الله 

" إن الذين يحملون دعوة الله تعالى إلى الناس لا بد أن يكونوا قمة النظافة ، فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً ، ومن هنا فأنت لا تقرأ القرآن إلا وأنت طاهر، والدعوة التي آمُلك لها وأنشدك لمستقبلها في حاجة إلى نظافة قلبك، ليعطي ويأخذ، ليصبر ويصابر، ليصفح ويسامح، لينزل إلى مستوى الضعفاء، وليرتفع بهم إلى مستوى الأقوياء، يقترب ببطء حتى لا يُنفر، لا يتكلم في حق الآخرين إلا بخير لأنه ينشدهم للدعوة   " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  "  34    من سورة فصلت   كل ذلك مفتاحه نظافة القلب فهي سر النجاح، إننا عما قريب راحلون، ونحب أن نُودّعَ الحياة وقد أَوْدَعْنَا هذه الدعوة عند شباب نظيف القلب، ويعلم الله أننا إذا أحببنا هذه الدنيا فإنما نحبها من أجل ذلك " كل نفس ذائقة الموت" ، " وما تدري نفس ماذا تكسب غذاً وما تدري نفس بأي أرض تموت".

و الله أكبر و لله الحمد                الجزائر  في 16    / 02    / 2017

الاثنين، 6 فبراير 2017

أثر العقيدة في حياة المسلم بقلم الأستاذ حشاني زغيدي

     

       لقد أولى الإسلام عناية كبيرة لغرس العقيدة السليمة في قلب  الفرد المسلم ،  عقيدة تصوغ الحياة برباط  اسمه الإيمان ، خلصته تلك الآية الكريمة  في وضوح ما بعده وضوح ،   هذه الآية:الكريمة    ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾  [سورة الأنعام الآية: 162]  فنكون حياتنا  كلها لله تعالى  ، و تأمل معي ،  ماذا تحمله  الحياة  من مسالك ،  و دروب  و نزوات و شهوات  ، و من اقبال و إدبار ،  فتكون حياتنا  أيها المسلم رهن هذه العقيدة  .


        فرق كبير و بون شاسع فيما يقدمه الإتباع  اليوم في تناول جوانب هذه العقيدة  السليمة الواضحة  السهلة ، فقد  وجدتها عند هؤلاء عصية  صعبة التحصيل  يلزمني لحملها  تحصيل أعلى الشهادات لبلوغ تلك العتيدة  ،  فكم يلزمني من الحواشي و شرح الحواشي ،  و كم يلزمني من السنوات   لتحصيل تلك المعاني ،  و حين عدت للمنبع الصافي ، و مصدر الهداية ،  ظهرت لي المعاني سهلة لا غموض فيها  و لا تعقيد ،  فيكفي الصحابي يومها   أن ينطق  بالشهادتين ،  لينطلق بعدها في عالم الحياة و في دروب الحياة يصنع   الروائع  .


إن الصور التي وردت إلينا  من سلفنا الصالح ،  صور عملية  لتلقي الإيمان   ،  قال ابن إسحاق : وكان من حديث [ ص: 345 ] الأسود الراعي ، فيما بلغني : أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محاصر لبعض حصون خيبر ، ومعه غنم له ، كان فيها أجيرا لرجل من يهود ، فقال : يا رسول الله ، اعرض علي الإسلام ، فعرضه عليه ، فأسلم - وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ، ويعرضه عليه - فلما أسلم  قال : يا رسول الله ، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي ، فكيف أصنع بها ؟ قال : اضرب في وجوهها ، فإنها سترجع إلى ربها - أو كما قال - فقال الأسود ، فأخذ حفنة من الحصى ، فرمى بها في وجوهها ، وقال : ارجعي إلى صاحبك ، فو الله لا أصحبك أبدا ، فخرجت مجتمعة ، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن . 


        حين نقف عند صور الإيمان في حياة المسلم ، نلتمسه  من حياة الصحابة عليهم الرضوان ، فقد كانوا أمثلة عملية لصدق  الإيمان ، فالإيمان  يدفع الطفل الفتى يفدي  رسول الله  ، فينام علي كرم الله وجهه في فراش رسول الله معرضا نفسه للأذى نظير فداء رسول الله  . و هذا الصديق بتصدق بكل ماله في وجوه الخير ، و أن فضائله كثيرة  ،  فقد  كان كثير الصيام ،  و يتبع الجنائز ، و يطعم المسكين ،  و يعود المريض ،  فكان أتبث الناس عند وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ،  و كان أكثر الصحابة نصرة للإسلام  في حروب الردة .


        إن حياة الصحابة كانت عطاء مستمرا ،  فمن يجهز جيش العسرة  غير عثمان رضي الله عنه ،  و من يشتري بئر رومة  غيره ،  و من يوسع المسجد النبوي توسعة كبيرة ،  ثم يتحمل مشاق جمع المصحف الشريف  ، إن الصور كثيرة لا نستطيع حصرها ،  فصحابة رسول الله كانوا فرسانا في النهار، و رهبانا في الليل ، فهي صور ناطقة لعقيدة  تفعل الوجدان و المشاعر وتصنع  الحركة ،  فهي ليست عقيدة ترف ،  و حشو معرفي ،  بل هي  عقيدة تصوغ الحياة ، عقيدة سليمة،   و عبادة صحيحة ،  كما هي  خلق متين .   


و الله أكبر و لله الحمد                الجزائر  في 06    / 02     / 2017