الاثنين، 28 مايو 2018

دروس و عبر قرآنية : خلق العفو و التغافر بقلم الأستاذ حشاني زغيدي


        
  ما أروع التربية عند الأنبياء  ،  حق لهم ان يكونوا قدوة لنا  ، فما أعظم خلق التغافر عندهم  ،  و قد وقفت   في القرآن الكريم على  لوحة رائعة من روائع الدروس في تغافر  نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته ، فنبي الله يوسف الذي تعرض لبلاء عظيم  و أذى عظيم  من إخوانه  ،  فلم يجنح لعتاب ، و قد بد من إخوته ما تعرفون في السورة القرآنية التي خصها الله لنبيه ، إن نبي الله الصديق يوسف لم يشر لقصة العداوة و قصة الغيرة و محاولة القتل  و لم يشر  لقصة ابعاده عن أبيه ، لقد كان راقيا في أسلوب عرضه للقصة ،  رقي الدعوة التي يحملها  ،  ، فكان أسلوب عرض  تجمل بأروع الأريحيات  ، فقد أوجزه القرآن الكريم بكلمات موحية معبرة  في غاية الإيجاز  و الإعجاز في قوله  تعالى : {وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف:100 
]
        و كم يحسن بي و بكم أن نقف عند دلالة الكلمات الموجودة بين قوسين {بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} فنبي الله يوسف يبدأ لنفسه  معرضا ثم بإخوته ، فأي أدب هذا  ، و أي جمال خلق هذا ،  إنه درس قيم في نبل الخلق ،  ليتنا نتعلم  منه خلق التغافر و العفو  .

           إن الدروس التي نتعلمها من روائع القصة  حاجتنا إلى  الصبر على الأذى ،  و حاجتنا  لكظم   الغيظ   و كف  الأذى  ،  و الترفع على الرد على الإساءة  ، و التجمل بالحلم  ،  و المكافأة  بالمعروف  ، و الالتفات  لما هو مهم  ،  فهذه هي  أخلاق حملة الدعوة  و أخلاق حملة الرسالة الهادية 

          و يبقى ابداع الشعراء راقيا في الدعوة لفضائل قيم العفو و التغافر بأبيات رقيقة ذات دلالة   ، تحملني    تحملكم على الأخذ بجميل خلق العفو و التغافر ، و هي دعوة يوجهها شاعرنا لنا بأسلوبه المرح لتأسي  بهذا  الخلق الإسلامي و الانساني الراقي 
 .
تعالوا بنا نطوى الحديث الذي جرى
 ولا سمع الواشى بذاك ولا درى
تعالوا بنا حتى نعود إلى الرضا
وحتى كأن العهد لم يتغيرا
لقد طال شرح القال والقيل بيننا
 وما طال ذاك الشرح إلا ليقصرا
من اليوم تاريخ المحبة بيننا
عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى 

           ما أحوجنا ان ندعو بقلب مخبث ندعو الله ليوحد رابطتنا و يجمع كلمتنا على الحق المبين  
    
" اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك ، وتوحدت على دعوتك ، وتعاهدت على نصرة شريعتك فوثق الله رابطتها وأدم ودها واهدها سبلها ، واملأها بنورك الذي لا يخبو ، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك ، وجميل التوكل عليك ، وأحيها بمعرفتك ، وأمتها على الشهادة في سبيلك ، إنك نعم المولى ونعم النصير ، اللهم آمين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الأربعاء، 23 مايو 2018

أخلاقنا في زمن الوهن بقلم الأستاذ حشاني زغيدي


   
      ساقني القدر صباحا للمستشفى لعلاج ألم  ضرسي  فانتظرت  كما ينتظر الجميع دورهم فأخذت اتجاذب أطراف الحديث مع بعض المرضى علنا ننسى أمراضنا و   في  تلك اللحظات  حصل ما لا يخطر ببال  رجل يفقد صوابه لطول انتظار أو قد  يكون طبعا من طباع المجتمع السلبية   يمزق أوراقا بيديه - و قد تكون أوراقا مهمة -  في هيستريا  و صراخ  يتمتم بكلمات غير مفهومة  في قاعة الانتظار يبعثر  تلك الأوراق   فتناثرت  كأوراق الخريف في باحة قاعة الانتظار  و إذا برجلين غريبين من الصينيين يمعنان النظر في ذهول لسلوك الرجل و الحيرة بادية على وجوه الجميع

فقلت :  فبأي معيار يقيم هؤلاء الأجانب سلوكنا الهمجي و أي صورة   للإسلام يحمل الرجلان على اعتناقهما له.

        
تحسرت كثيرا لحالنا لقد أفسد أمثال هؤلاء نضارة الإسلام الذي حوى   كل صور الجمال و الروائع و اللطائف لحضارة أبهرت الدنيا
فما منعني أن  أرمي تلك الأوراق الممزقة  في مكانها المناسب فأضعها في سلة المهملات  و هي موجودة  و ما منعني أن أكثم غضبي و أنتظر دوري

        
في   ضوء ذلك المشهد  قررت أن أصحح الوضع فحملت نفسي و جمعت تلك الوريقات المبعثرة  و أنظار الحضور من النساء و الرجال و الأطفال و معهم  هؤلاء الزوار من الصينين   يرقبون  موقفي  أنهيت مهمتي بوضع تلك الأوراق في مكانها  المناسب  و اللافت أن عيون الصبيين لم تفارقني لحظة  لمدة  طويلة  و في وجوههم ابتسامات  مخفية  تحمل معها رسائل مشفرة 

فقلت :   في نفسي من يحمل لنا  مبشرات الهداية في زمن الوهن و الضياع   ؟
 
فمن يعيد لغير المسلمين حقيقة الإسلام المغيبة لتلك الشعوب التي تبحث عن الهدي في زمن التشكيك و التغليط و التشويه  ؟
  لقد أصبحت عندي قناعة راسخة   أن حاجتنا للتربية كحاجتنا للهواء و الماء  و الغذاء  و   الدواء و الكساء.  

الاثنين، 21 مايو 2018

غربة رمضان في زمن الانحطاط بقلم الأستاذ حشاني زغيدي


           إن  رمضان الكريم الذي ارتضاه  الله لنا غير رمضان الذي ارتضيناه لأنفسنا ، إن رمضان الذي ارتضاه الله لنا شهر فضيل لتقوى و ارتقاء الروح    و صفائها  ، إن  رمضان محطة للتزود  ، و فرصة لشحذ الهمم  ، إن لرمضان مقاصده  و مراميه  المرسومة المحددة  ، مقاصد حددها الله في القرآن الكريم  قي آيات محكمة   ومع الآية الثالثة والثمانين بعد المئة من صورة البقرة  ، ."  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "    
.
       إن القصد الذي من أجله كتب الصيام  على عباده هو تحصيل التقوى  ، تلك الطاقة المحركة  للطاعة  ، تلك الطاقة الكابحة للنزوات و الشهوات  ، تلك الطاقة  الدافعة لفعل الخيرات  ،  تلك الطاقة التي تحرر المؤمن من أسر الدنيا و أغلالها  ، تلك الطاقة التي تستجلي النور و الهداية في رحاب العبودية  ، فالتقوى  جهاز وقاية في قلب  المؤمن  ، تشعره برقابة الله  في كل حركة و سكنة  ،  تلك التقوى التي تولد السكينة و الطمأنينة  و الراحة  فتحرر المؤمن  من  الخوف الذي يسكن بداخله ، فتصغر  تلك العوالم الضاغطة  و تلك القوة المهيمنة  التي استحالت معبودات  في زمن الضعف و القهر ،  تلك التقوى التي تولد التلذذ  بطعم الهداية    ، إنها  اللذة  التي سأل عنها هرقل الصحابي الجليل أبا سفيان رضي الله عنه    كما  روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث هرقل أنه قال لأبي سفيان ومن معه : وسألتك أيرتد أحد ـ أي : من المسلمين ـ سخطة  لدينه ، بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشته القلوب 
.
        حين نعيش تلك الصور العملية التدريبية للرسول القدوة فقد كان  رمضان مدرسة تربوية  في حياة صاحب الرسالة الخاتمة يظهر لنا حقيقة الصيام و المعنى الحقيقي لتلك العبادة  ، فكان قليل الترف  في مائدة  سحوره  و فطره  ،  فكان يكفيه قليل الطعام  ، يقبل على خدمة أهله  ، يعطي الصلاة حقها  ، يقبل على الذكر و الدعاء   و قراءة القرآن  ، يكثر الإنفاق  و الصدقة  ، و مع ذلك   كان الرسول القائد يعد الصحابة  لحمل رسالة الهداية  تدريبا  متكاملا  لامتلاك عناصر القوة المطلوبة  ، تحقيقا قول  الله عز وجل:   ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ .

 فكان رمضان  مفتاحا لسلسلة من الانتصارات  في مسيرة الأمة  الناهضة  بدء بغزوة بدر الكبرى  في السابع عشر من رمضان السنة الثانية للهجرة   و تلتها  فتح مكة في العشرين من رمضان بعد مضي شوط من العمل المتواصل و تحت قيادة الرسول صلى الله عليه و سلم توج  ذلك الإعداد  بالفتح العظيم بفتح  مكة  و قد سماه الله فتحا عظيما  ، فكان للإسلام كلمته في رسم الخريطة في تلك الحقبة من الزمن ، فرمضان في الحقيقة يمثل قلب الأمة النابض بالعطاء ،  فالسجل حافل لا يمكن لمقال مثل هذا أن يسجل كل المحطات المشرقة ،  و لكن يكفي الإشارة  .  من ينسى القادسية  ؟   و ما تحمله القادسية من دلالات  في صراع القوة المهيمنة  . ومن ينسى  فتح الاندلس  معجزة الاسلام الباهرة و الشاهدة  بمعالمها و بصمتها الحضارية  ؟  إن رمضان محطة تستحق  الوقوف عندها طويلا  لاستلهام الدروس  العطائية في البناء  ، فهو مدرسة  نستلهم منها النشاط و  القوة و الحركة لرسم معالم  الانسان  المعطاء المثابر صاحب النفس الطويل ، الانسان المدرك  لغاية وجوده  .   

       إذا أمعنا  النظر لهذا السجل الحافل  و  لهذه  الانتصارات ، سيكون له  تساؤلات  وجيهة    ، كيف يمكن لهذه الموارد البشرية أن تصنع كل هذه الانجازات المبهرة   في شهر جعل منه المسلمون شهرا للراحة و الخمول و النوم  ،  بل جعلنا منه شهر الترف  و اللهو و الساهرات الحمراء الماجنة  في ظل استباحة  الأعداء لأراضي المسلمين  ومقدراتهم  ؟   .إن الرد  على  التساؤلات  قد أشارت إليه الآية الكريمة  التي شرعت الصيام  الآية الثالثة والثمانين بعد المئة من صورة البقرة  ، ."  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "   . فهؤلاء  فهموا ووعوا مقاصد الآية في مشروعية الصيام  فكانت لهم السيادة و الريادة   ، و ستكون لغيرهم الأستاذية إذا حفظوا الدرس و أحسنوا التطبيق 




و الله أكبر و لله الحمد         الجزائر  في 20    / 05    / 2018