الاثنين، 27 يناير 2020

في روض الأخوة

#تأملات:  في روض الأخوة 

        تحمل الذاكرة فيضا  من العواطف و الأحاسيس و العواطف الدافئة لمرحلة من عمرنا  الماضي.  أذكر تلك العواطف التي كانت تجمعنا في بيت كرم و ضيافة،  بيت من خيرة بيوت البلدة،  كنا طلبة في مراحل التعليم الثانوي و بعضنا  طلبة في   الجامعات،  كان يجمعنا خوان البيت الواسع  . 
و ما كان يميز تلك المرحلة العمرية ضحالة علم،  مع  عاطفة صادقة  و حماسة لتلفي العلم  و حب  فعل الخير . . . 
فكنا نسمع المواعظ و الرقائق  الروحية التي ناخذها من الأحاديث النبوية،  مثل الأربعين نووية  ،   فيجتهد أحدنا في الشرح و استخلاص الدروس و العبر المستفادة  . 

       و من لطائف التي الجلسات التربوية   ؛  تلك الكلمات القصيرة التي  لها روح جذابة، كلمات   تحمل إشارات عابرة، تشق كوامن الروح فتهزها،   كلمات توثق الحب الصادق  بين فتيان لا تربطهم  روابط القرابة أو النسب، غير حب في الله تعالى.، تصل تلك الرسائل العاجلة إلى المسار المحدد   ،  كانت تلك  الجلسات الأخوية ،  تُقَلِّب السكون لحركة،  كان لتلك الجلسات وقع خاص عند الحضور. ، فكان اللقاء  لقاء  نتناصح ونتصارح و تصالح. و كانت تلك الجلسات فضاء للهروب من واقع  طغت فيه الماديات   ،  فكنا نجد لدة لا نجدها في سوى ذلك المكان   .

فكانت تلك الجلسات   نزهة. لللقلوب.الشاردة. .
و كان لتلك الجلسات نغم خاص،   و لغة خاصة لا يتذوقها إلا الذي عاش أيامها  .

فكانت أحب الجلسات لقلوبنا، إنها    جلسات الزمن الماضي، الذي يحمل كل الجمال  ،فلم تكن مجالسنا مجالس غيبة،  فقد كنا نتقرب لله تعالى بصون الأعراض و  كتمان حديث الخلوة، و حفظ العهود،  و مؤاساة إخواننا  عند الشدة،  و 
نقبل  العثرة  ، و. تغافل عن السقطات.  
فكانت حقيقة صحبة  طريق.  

          كانت جلساتنا تحفل بمواعظ الثرات العربي من الأمثال التي كنا نحفظها في مجالسنا.   . 
أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر هذه الشذرات المحملة بالشذى و العطور: 

"   ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذراً. فإن لم يقبله قلبك، فقل لقلبك: ما أقساك ، يعتذر إليك أخوك سبعين عذراً فلا تقبل عذره، فأنت المعتوب لا هو." .
"    الأخ الصالح خير من نفسك، لأن النفس أمارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمر إلا بالخير. " .
"   الرجل بلا اخوان كالشمال بلا يمين."    .
"    من اتخذ اخواناً كانوا له أعواناً.
التارك للاخوان متروك. "   .
"     عليك بالاخوان فإنهم زينة في الرخاء، وعدة عند البلاء. "    . 

تظل هذه الذكريات عالقة في عواطفنا نذكرها و لا ننساها، نذكرها فتجدد فينا روح العودة لذلك  الزمن الجميل  ، زمن الطهر  و النقاء..

الأستاذ حشاني زغيدي.

الأحد، 26 يناير 2020

في حياض التربية العملية

#تأملات:  في حياض التربية العملية 

       كنت في عمر الفتيان،  و قد ارتبطت حباتي بالمساجد،  فأحسبه المدرسة الأولى التي أهلتني،  و فتحت مداركي على التربية الصحيحة،  تربية شاملة غير مجزأة،  أذكر أن من كان يراقفنا  في تربيتنا  شيخي الإمام العالم  الطاهر بالرابح بارك الله عمره،  فكان يومها يشرف على حلقات  العلم  في مسجد أبي بكر الصديق في بلدتنا. ،  فكنت أنهل بنهم  و حرقة  . 
و مع ذلك العلم المتصل بمشكاة النبوة،  كان يحبب لأنفسنا الخير و يحظنا عليه،  من خلال البعد العملي. يحبب  لنا الجنة بأسلوب فيه المتعة و اللطافة  ،و  بأسلوب  مرح.
يخاطبنا  :  " من يريد أن يجمع مهر الحور العين بجمع قمامات الأوساخ من المساجد   ؟  "  فنسرع في تنظيف المسجد  و تطيبه، كنا نفعل ذلك كل خميس،تحضيرا  ليوم الجمعة، فكنا نطير فرحا  بتلك الواجبات العملية،   ؛    التي كانت انطلاقتنا.الأولى  في العمل التطوعي الخيري. 

و ما حببنا  فيه شيخنا له تأصيله الشرعي  ورد في تعيين فضل تنظيف المسجد ما أخرجه الطبراني وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم:  «ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله بيتا بنى الله له بيتا في الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين».

         و قد مرت السنوات و مازال طيف تلك التربية يرافقنا رغم تقدم العمر، 
لنشارك  في مشاريع التطوعية النافعة، و ما أحوج شباب اليوم اقتفاء أثر شيوخ التربية،  ليأخذوا بأيادي أبنائنا لطريق السعادة  . 

الأستاذ حشاني زغيدي

الجمعة، 24 يناير 2020

الإسلام منهج حركة و عطاء.

الْإِسْلَامُ  مَنْهَجُ حَرَكَةٍ و عَطَاء 

        أَجْعَلْ  لَك حَائِلًا بَيْنَك و بَيْنَ مَا يُضَعِّفُ عزيمتَك ، و يَشُدّ لجامَك عَنْ الْحَرَكَةِ و الِانْطِلَاقِ  ،  لَا تَتَسمّعْ  لنزعاتِ  الْفَشِل ، أَغْلَقْ  أَبْوَابَهَا جَيِّدًا ، و شَدَّ  حزامَك و انْطَلَقْ  دُونَ تَوَقُّفٍ ، فساعاتُ  التَّوَقُّفِ  لَهَا مَوْعِدُهَا الْمُحَدِّدِ  ، لَم يُحَدَّدْ  مَوْعِدَ تَوَقُّفِه أَحَدٌ ، فَاغْتَنِم سَاعَاتِ  الْحَرَكَةِ  ، فَالسَّاعَة لَهَا مَوْعِد مُحَدَّد ، فَإِن شادَّك  عَارِضٌ ، فَتَحَرَّك و لَو حَبْوًا ، فَلَا عَيْبَ  أَنْ تُقلِدَ  مَشْيَّةَ  الرَّضِيع ، و إنْ كَانَتْ بِدَايَةَ  الْخُطَى . 

         نَعَم نَمْشِي الهوينةَ  و نَحْن نرافقُ  الْحَقَّ  ، و فَالْأَجْرُ  فِي الْحَرَكَةِ ، و الْأَجْرُ فِي السِّيَرِ فِي دُرُوب الْخَيْرِ  ، نَسِيرُ  و نتحركُ،  نغرسُ  ، فنزرعُ  ، و نَشِيّدُ الْمَبَانِي ، و نَحْفِرُ  الْإِنْفَاقَ  ، و نبحرُ  فَنُخْرِجُ الْأَصْدَافَ  فِي الأعْمَاقِ  ، نَعَم نتحرك فَنَدْخُل البسمة فِي النُّفُوسِ ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ ، فنغيثُ  الْمَلْهُوفَ  ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ فنكسِي الْعَارِي الْمُعْدِمَ   .
 نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ و نَحْن نُمْسِكُ  الْقَلَمَ  و الْمَحْبَرَةَ  و الْمُصْحَفَ  فنتلُو و نتدبرُ  ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ و نَحْن نرصُّ  الصُّفُوف و نَجْمَعُ  الْكَلِمَةِ  ، نَعَم نَمْشِي فِي الدُّرُوبِ لَنُسْمِعَ  كَلِمَةَ الْخَلَاصِ  لِكُلّ تَائِهٍ شَارِدٍ ، يَبْحَثُ عَنْ الْهِدَايَةِ . 
نَمْشِي و نَحْن نَجِيبُ  دَاعِيَ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ ، فنسمعَ  نِدَاءَه الْعُلْوِيَّ  ، يَهُزّ كيانَنا ، فَيَبْعَث فِينَا الْحَرَكَةَ  و النَّشَاطَ  . 
        
       يَكْفِي أَنْ نأملَ  الْآيَاتِ فِي قُرْآنِنَا ، فَنَرَى عَجَائِبَ  الْأَسْرَارِ  الَّتِي يُوقِظُة فِينَا الْحَاسَّةَ  الْمُوَلِّدَةُ  لِلْحَرَكَةِ  ، فَمَا أعَظْمَ  آيَاتِ اللَّهِ . 

فَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ - - آيَة 11 آيَة عَجِيبَةٌ تَقْرَأْهَا و تَقْرَأْهَا ، فتدعوكَ  لِقِرَاءَتِهَا مَرَّاتٍ  و مَرَّاتٍ  ، فَهِي تَدْعُونَا لَنَسِير فِي الْمَعْمُورَةِ  لَنَرَى عَاقِبَةَ الطُّغَاةِ  و الظَّلَمَةِ  و الْمُفْسِدِينَ  ، نَسِير لَنَرَى نِهَايَةٌ عَاقِبَتَهُم 

( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين) 

          ثُمّ نَسِيرُ فِي رِحَابِ  الْكَوْنِ   نجدُ    آيَاتَه تُخَاطَبُ  فطرتهنا الَّتِي تَنْطِق بِالْإِيمَان و التَّوْحِيدِ  ، فَشَجَرُةُ  الْإِيمَانِ  نبثَتْ  بذرتُها فِي كُلِّ قَلْبٍ  ، يَكْفِي الْمَرْءَ  أَنْ يَسِيرَ لِيَرَى عَجَائِبَ  صَنَعِ  اللّهِ  فِي النَّفْسِ و الْكَوْن . 
فَفِي سُورَة الْعَنْكَبُوت - - آيَة 20 تُخَاطَبُ  الْإِنْسَانَ  الْمُلْحِدَ  النّاكرَ  لِوُجُود اللَّه تَتَالَى ، كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَسِيرَ و يَتَحَرَّكن  فَيَرَى أَسْرَارَ  الْخَلْقِ  فِي  نَفْسِهِ وَ فِي مُحِيطِهِ . 

( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلَقُ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إنْ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير) عَلَى الْإِنْسَانِ إلَّا يَتَوَقَّفُ عَنِ الْحَرَكَةِ و السِّيَرَ وَ النَّظَر و الْبَحْث فَالْمَثَلُ يَقُولُ ( فِي كُلِّ حَرَكَةٍ بَرَكَةٍ  ) . 
الْأُسْتَاذ حشاني  زغيدي .

الخميس، 23 يناير 2020

سأمسك القلم

#تأملات:   سأمسك القلم 

          البعض يخاف أن يحمل كتابا،  و البعض يخاف أن يفتحه،  و البعض الآخر  يخاف من تهجي أول كلمة في  الكتاب،  و البعض الآخر لا يجرأ أن يمسك القلم ليخط أول كلمة في الكتابة ،  كل تلك المخاوف،  ستسقط  لو قررت  أن تكسر الخوف  اتجاه  القراءة  و الكتابة  .
           جرب أن تقرأ  جملة واحدة في صفحة الكتاب ، ثم كرر ذلك لمرات، فسوف تجد حلاوة  و متعة، تجذبك نحو الكتاب  ، و سوف تتولد بينك و بينه  علاقة حب   ، فالمرء فينا  لم  تنشأ معه ملكة القراءة أو الكتابة، و لكن بالتعلم و التدريب، امتلك أصحاب صنعة الكلمة، زمام الحرف و الكلمة. فكل شيء في الدنيا يبدأ  بالتجربة، و بالتجربة تُملَك الخبرة، التي تتحول فيما بعد  إلى إبداع فني .

الأستاذ حشاني زغيدي

الأربعاء، 22 يناير 2020

صلة الأرحام زاد

صلة الأرحام زاد 

          إن  صلة   الأرحام بر،  و صلة،  و أجر،  و قرب  ،  و مودة،  و بركة،  و هي مكرمة، إن حرمانها خسارة لا تعوض. 
     
          كم تخيفني تلك الآية البليغة، و   يرتجف  لهول  وقعها بدني    .
 قال تعالى : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) ،
أخي،   أختي  ، اقرها فهي لا تحتاج لشرح،   فهي تشرح نفسها. 

 ✅ فكيف ترضى أن تقطع رحمك و أنت تتلو  الأية الكريمة  ؟! 
 ✅   كيف ترضى أن تمر الأيام و الشهور بل السنوات و أنت تقطع أرحامك  ؟! 
✅   و كيف تسمح لنا النفس أن نهجر أقاربنا لأسباب و مشاغل و أعذار واهية  ؟!
✅    و كيف تسمح  لنا النفس  هجران الأخ و الأخت و العمة و الخالة  و العم و الخال و نحن نفرأ وعيد ربنا  ؟! 

          إن أحكام الآية لا يسثتني فردا من   الأرحام  و  الأقارب  فالجميع  معني بذلك التواصل الإجتماعي    .
            
            فمن منطلق أن  الإسلام   منهج حياة  بنى شرائعه على مبدإ  الصلة و قوة الرابطة،  فالإسلام  يبني نظامه الإجتماعي على التوادد  و البر و المحبة  حرصا على القيم الإنسانية التي أهملتها حضارة الغرب اليوم   ، و التي من ٱثارها  رمي الأبوين في الملاجيء و دور العجزة.   .و للأسف أصبحنا نقلدهم فنبني لهم بيوتا    خاوية   ، بيوتا بلا صلة، بلا روح  ، سميناها بيوت الرحمة     !
لقد غابت أحكام الإسلام  التي  ترعى حقوق الأقارب و الأرحام     . 

          
       أخي  ،  أختي   ،  إن البركة كبعد روحي تتولد  من خلال القيام بواجبات الصلة المذكورة  في المنهاج الإجتماعي للإسلام  .   فاسمع  حديث  رسولنا الذي رواه البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه }.

       فحرصا  على حماية حصن المجتمع من التفكك     لابد  أن تعود  الروابط  الإجتماعية،  و يعود التواصل بين الأرحام  فحال المجتمع لا يسر، فأملي أن يتقارب الأهل و يتصافى الأقارب، و يعود اللقاء و تستمر المودة الغائبة    .

الأستاذ حشاني زغيدي

الثلاثاء، 21 يناير 2020

الهمس الحزين

#تأملات:  الهمس الحزين 

همس في أذني، 
بصوته الرخيم ، 
يكلمني بنبرات، 
تحمل همسا رقيقا،  
تحمل أدبا.،  
تجمله  كلمات  عذبة  مرسلة ، 
رغم حزن الكلمات؛ 
التي تخرج مجروحة، 
من ثغره ،  تحمل ألما مدفونا لفراق من يحب  .
كانت  تلك الهمسات تصل شغاف قلبي، فتحركه. 
تطرق أبوابه  بأدب، 
كانت كلماته، 
موزونة مرتبة، 
تحكي كل كلمة منها،
قصة حزينة،  تحكي يوميات يعيشها كل من غاب عن عينه،  طيف الحنان،  
و غاب عن أحضانه،
ضمة الحبيب الوالد،  
كانت كلماته تعيد صور أبي؛ 
الذي غادرنا،  منذ سنين، 
فكانت  كلمات صاحبي المهموسة،  تحرك  ألمي الغائر،
  و تعيد  سجل ذكرياتي الماضية،  ترسم   أياما جميلة، 
كان والدي صانع أفراحها ،
  حيث كانت لنا في كل جولة حكاية جميلة، 
  كنت أطرق السمع للحن تلك الهمسات  المسروقة،
  التي حاواها نبض قلب حزين.، 
يحن لأيام مضت. مع والدي..

طيب الله قبرك والدي . طيب الله مكانا  ضم   جسد أبي الطاهر. 

الأستاذ حشاني زغيدي

الاثنين، 20 يناير 2020

كيف نقوي روابطنا الإجتماعية؟

تأملات   :  كيف نقوي روابطنا الإجتماعية؟
         
          في الكثير ندعي أننا نعرف الناس و نعرف طباعهم و لكن تلك التعارفات هي مجرد لقاء عابر،  لقاء برتوكولي، و لكن التعارف الحقيفي شيء ٱخر غير  لقاءات  المجاملات  ،  قد يصدق وصف ذلك التعارف،  بتعارف المخطوبين،  فالجميع يتزين بألوان هلامية،  يفضحها أول لقاء محّكي،   و أصدق علاقة بين الشريكين،  تبدأ مع يوميات الزواج،  و العيش في كنف البيت الواحد،  و مع تقاسم الأعباء، حينها فقط  تظهر لنا حقيقة تلك العلاقة  .  فأحكامنا القبلية في التعارف غير مؤسسة،  و لا تستند لركائز التعارف الحقيقي . 
فإن أصدق العلاقات هي التي تنشأ من خلال تباذل المصالح، و تباذل الخدمات،   فالتاجر أعرف الناس بطبائع الناس،  فهو يميز الوفي من الغذار،  يعرف المماطل من الحريص،  و حكمه في العلاقة مبني على معاملات واقعية   . 
         
       إن هذه العلاقة يفرض أن تحكمها  دعائم و أركان  تسند  هذه الرابطة : 
أولها  :  تعارف يتجاوز الأسماء و الألقاب،  تعارف  تكون فيه صفحة أحوالنا الشخصية بكل تفاصيلها مبينة  ،  فيعرف أحدنا  طبائع المرء الذي اخترنا أن نصاحبه،  فنعرفه عند الرضا و الغصب،  نعرفه في ضيقه و أو قات فرحه  .
ثانيها :   تفاهم  بين طرفي هذه العلاقة، حيث   يسود بين الطرفين احترام متباذل، تتناغم فيه وجهات النظر  دون  أن يكون لأحد الأطراف  السيطرة و التحكم و احتكار وجهات النظر،  كما لا يكون الإختلاف  في وجهات النظر   دافعا للفرقة أو الخصومة، و قد وجدنا الكثير من الروابط تنفك و تفصل لأتفه الأسباب، لأنها علاقات غير محصنة، و قد حفظنا أجمل الأمثال الشعبية التي صاغتها التجربة الإنسانية  ( إن لم تكن معي فأنت أخي)  .   
ثالثها:  التكافل أقوى الوسائل الداعمة  ،  فالروابط  التي يتوثق  عقدها بقوة، نجدها  يغذيها بعد اجتماعي تكافلي، مبني على  التعاون و المشاركة  في الخدمات  الحياتية ،  كالمشاركة في الأفراح و الأتراح، و النوائب و الملمات، فندخل السرور  و البهجة مع من تقاسمنا معه  هذه الرابطة الإنسانية أو الإيمانية  ،  التي  تحمل معانيها هذه الأبيات الشعرية  الراقية في مضمونها  : 

صديقك الحق من كان معك.
و من يضر نفسه لينفعك.
و من إذا ريب الزمان صدعك.
شتت فيك شمله ليجمعك

      لهذا ليس من المعقول أن نقول بلسان الحال،هذا صديقي و هذا صاحبي، هذا نعرفه أعز المعرفة 
و ما هذا التعارف و هذه الصحبة إلا معرفة عابرة سطحية  ،  لا يحق أن تبنى عليها أحكام الصحبة و الصداقة  

     جاء في  الخبر ذكره بمعناه الحكيم الترمذي في أدب النفس فقال: وما جاء عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن عاصم بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه:
( أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد  ).

الأستاذ حشاني زغيدي

الأحد، 19 يناير 2020

تقرأون آراء أهل القلم حول «جمال الأدب»؛ عبر صحيفة «المغرب الأوسط»؛

تقرأون آراء أهل القلم حول «جمال الأدب»؛ عبر صحيفة «المغرب الأوسط»؛ العدد رقم 2895 الصادر يوم الأحد 23 جمادى الثانية 1441 هـ الموافق 19 يناير 2019 م؛ الصفحة رقم 20؛ من إعداد جمال بوزيان. 
 
https://elmaghrebelawsat.com/wp-content/uploads/2020/01/sit-dim.pdf

"الـمَغرب الأوسط" ترصد آراء أهل القلم  

الجمال في الأدب هو أساس الإبداع الذي يشيد عليه صرحه

يَطرَح مُعِدُّ صفحة "مَراصِد ثقافيَّة" عبْر منبر "الـمَغرب الأوسط" سؤالًا كُلَّ أسبوع على أهْل الفلسفة والفكر والثَّقافة والتَّاريخ والتَّربية والتَّعليم والأدب والتَّرجـمة والنَّشر والإعلام والصِّحافة والاقتصاد والإحصاء والاستشراف والتَّخطيط والسِّياسة والفنِّ والرِّياضة وغيرهم؛ ويَرصد كُلَّ حينٍ آراءهم بـحثًا عن علاجٍ لـمُشكلات وحلولٍ لأزمات ودفعٍ لأخطارَ مُحدِقة في الـمُجتمَع الـجزائريِّ والعربيِّ والأفريقيِّ والإسلاميِّ والعالَميِّ... يَعرض اليومَ الآراء الآتية.

الأستاذ حشاني زغيدي "أديب"

دَور الأدب كبير في الوعي وقد صار وسيلة تحصين للقيم والمعتقدات وسلاحا للدفاع عن حياض الأوطان ومقومات الأمة

الأدب بمفهومه المبسط هو الكلام البليغ الذي يؤثر في نفس القارئ، سواء أكان شعرا أم نثرا، سواء أكان خاطرة أم قصة أم رواية، يعبر عن حالة نفسية أو اجتماعية أو سياسية، وولد مع  الإنسان، وتغنى بالجمال، وصف ومدح وهجاء وفخر وغزل وتصوف، وقد تطور هذا المفهوم عبر العصور.
كيْف تَرَى الجَمال في الأدب قديمًا وحديثًا؟
الجمال في بعده الإنساني لا تختلف صوره قديما أو حديثا، لأن الجمال صبغة ربانية أودعها فينا، الكل يدرك الحسن والقبح، والكل يدرك المتعة والحزن، والكل يحب ويكره... تلك العواطف مجبولة فينا، ولا أحد ينفك عنها، كما أن صور الجمال تنجذب إليها النفس طواعية، ولا أحد بإمكانه ستر عواطفه، والمتعة في الحياة تزيد روعتها كلما عشنا الفطرة كما هي دون غلو أو تطرف.
إن الجمال يعيش معنا نلمسه في البحر والنهر والجبل والشلال والأزهار في الحقول، نلمسه  في بديع صنعه، يكفي أن الله جميل يحب الجمال، الجمال مظهر من مظاهر الحياة، وهو  يسري ويتغلغل في حياتنا، قالها إيليا أبو ماضي وهو يتغنى بالجمال: 
ومن بعش بغير جدال    لا يرى في الوجود شيئا جميلا.
ولهذا وجدنا المُنتَج الأدبي قديما أو حديثا يمتزج في أغراضه الأدبية، الجميع وصف جمال الحس والروح، والكل أسهم في تلك اللمسة من الإبداع الجمالي في مُنتَج أدبي ثري.
وهلْ كُلُّ ما يُكتَب في الأدبِ أدبٌ؟
لا نستطيع أن نرمي المُنتَج الإنساني للأدب في سلات المهملات، إن الأدب الجميل يوصف بالجمال، وسيء الأدب يوصف بالإساءة، وهو باب العدل، الأدب الذي يتفاعل مع الحياة إيجابا فيعلي القيم بكل أبعادها هو أدب ذو جدوى، لأن الأدب دون لمسة جمالية أو فنية هو ليس بأدب، وأن الأدب الذي يتعرى من القيم الأخلاقية والفضائل، لا يرقى أن يكون أدبا لأن الأدب في منتهاه غرس الفضائل والجمال من خلال البناء الفني واللغوي في المُنتَج الأدبي.
إن الأدب سلاح ذو حدين؛ إما أن يوظف في البناء فيسهم في صناعة الأجيال وارتقائها من خلال ما ينتجه الأدباء فيسهم في ترقية معاني الخير كنشر الفضائل وإبراز قيم الإنسانية الراقية وبعث روح التسامح والتعاون والمؤاخاة وكل القيم الإيجابية. 
وقد يكون الأدب وسيلة هدم مدمرة، تحرق الأخضر واليابس فيدمر القيم ويفسخ الأخلاق،  وينشر الأحقاد بين البشر بدعاوى الحرية المزيفة مثل التمرد عن القيم والأديان أو كسر الأعراف الموروثة بدعوى الحداثة وحرية الإبداع أو الدعوة للرذائل والانحلال بدعوى الفن والأدب والجمال، وهي دعوى ساقطة مرفوضة.  
إن مقصود الأدب هو نقل الحقائق التي نعيشها، والمشاعر التي نحسها والقيم التي نشعر بها فتهزنا  تلك الصور فتولد لنا مُنتَجا فنيا بصور الجمال، وهذا النقل الأدبي الذي يظهر في شكل صورة بريشة فنان أو قصيدة في نظم شاعر أو خاطرة بقلم أديب أو قصة قصيرة أو رواية كلها تسهم في البناء الإنساني، لهذا كان للأدب رسالته في الحياة، وكان للأدباء أثرهم في صناعة تلك النهضات التي عرفتها الدنيا.
وكيْف تَصفِ الأدبَ الَّذي لا يُحدِث تَغييرًا فكريًّا في المُجتمَع؟ وما السَّبيل إلى أدبٍ فاعلٍ؟
 لا بد أن يكون للأدب رسالة ووظيفة، إن الأدب مدرسة تعليم وتثقيف، ونحن نتعلم من خلال استغلال المُنتَج الأدبي، بالقصة نتعلم، و الصورة الجميلة نتعلم، ونتعلم بالقصيدة، ونتعلم بأي لون من ألوان الإنتاج الأدبي.    
ونحن نلحظ اليوم هذا التطور الحاصل بعد ثورة التواصل الاجتماعي من خلال صفحات المنتديات الأدبية التي أصبحت جامعات متخصصة رقت المُنتَج الأدبي، وعملت على توسيع رقعته.
كما أن الأدب أصبح له دَور كبير في الوعي والتبصير، وأصبح وسيلة تحصين للقيم والمعتقدات، وأصبح سلاحا له مفعوله في الدفاع عن حياض الأوطان ومقومات الأمة.
إن الأدب أصبح  قضية  فلسطين وكل قضية عادلة، وأصبحت  العربية المحبوسة في وطنها إحدى قضاياه ،كما أصبح الأدب وسيلة نهضة محفزة للتميز والإبداع في شتى المستويات.          
   بالثقافة والأدب اليوم أصبح سلاحنا الذي ننهض به من كبوتنا، وهو صفحة التاريخ التي نجدد بها المنسي من تراثنا المدفون، وهو المرآة العاكسة لثقافة كانت مؤثرة عبر العصور، لهذا، الاهتمام يعكس مستوى الأمة الناهضة، إن الأمة الناهضة تشجع الثقافة والمثقفين،  وتشجع المواهب وتبني المؤسسات الخادمة للثقافة رغبة منها في بناء صرح ثقافي مزهر.

الأستاذ عبد المجيد بطالي "أديب"

الأدب قادر على ترك بصماته على سلوك المتلقي، وأثره البالغ في نفسيته دليل على فاعليته ونجاحه

بداية، ينبغي أن نلفت النظر إلى ضرورة التمييز بين الجمال في الأدب، وعلم الجمال باعتباره مذهبا أو نظرية فلسفية، تبحث في الجمال ومقاييسه.. وذلك لأن الأدب "عالم يتم تشكيله وفقا لمعايير الإنسان عبر فاعلية تحويلية، متساميا بواسطة فكر الفنان ومشاعره، فهناك تضايف بين المعرفة الفنية ومناشط الإنسان التحويلية الخلاقة... وإذا كان العلم يخلق طبيعة تحيط بنا من الخارج فإن الفن يخلق تلك الطبيعة داخلنا، وهدف الأديب المبدع هو خلق طبيعة ثانية باكتشاف الجديد وارتياد الحياة عقليا وانفعاليا، ولا يتحقق ذلك إلا بفضل واقعية تستشرف آفاق المستقبل وتسبق الحاضر" (إبراهيم فتحي/ معجم المصطلحات الأدبية/ المؤسسة العربية للناشرين/ تونس/ طبعة 1986 صفحة 127).
ويشير المصدر نفسه إلى القول:"... إن ما يميز الرؤية الفنية في الأدب عن كل أشكال المعرفة الأخرى هو محتواها الضخم من الخيال والحدس والغريزة التي تشكلت إنسانيا والدوافع اللاشعورية" صفحة 128).
 إن الجمال في الأدب شعره ونثره، هو أساس الإبداع وركيزته التي يشيد عليها صرحه وكيانه.. وهو الضامن لأن يسمى أدبا متفردا ومختلفا تماما عن الكلام العادي سواء تعلق الأمر بقديم الأدب أم بجديده، وذلك لأن الأديب يختار لخطابه الأدبي على المستوى الشكلي، اللغة التي يركب بها المتن، وعلى المستوى الدلالي العميق المضامين والأفكار الجادة.. وفي المستويين كليهما لا بد من حضور قويّ للجمالية.. ولا يُجيز المهتمون بالبحث في جمالية الأدب مثلا، قصيدة شعرية خالية من الجمال الفني المتمثل في الصور البلاغية، والمحسنات البديعية وغيرها.. وليس كل ما يكتب يسمى أدبا إلا بشروطه التي ترفعه إلى مرتبة الأدب...
 وفي هذا الصدد، نسوق كلاما لابن خلدون في مقدمته حول علم الأدب جاء فيه:"... إنما المقصود به عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني (المنظوم والمنثور) على أساليب العرب ومناحيهم، ويجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عاليَ الطبقة، وسجع متساوٍ في الإجادة، ومسائل اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة" صفحة 553. 
   ويمكننا القول إجمالا بأن الأدب هو كل ما يعبر به الأديب عن مناحي الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية والنفسية وغيرها، في شقيه (الشعري والنثري) لكن يحتاج من كاتبه/ الأديب أن يجمّله تجميلا، كي يرقى إلى الأدب وإلا فهو كلام عادي لا أثر لصبغة الأدبية فيه... وبالتالي لا رواء ولا جمال يسمو به نحو التميز وإثارة مشاعر المتلقي ومخيلته.
وأختم هنا برأي جميل للكاتب العملاق مصطفى صادق الرافعي حيث يصف الأديب فيقول:"الأديب إنسان يدله الجمال على نفسه، ليدل غيره عليه.. ويبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة..." (مصطفى صادق الرافعي/ وحي القلم/ الجزء الثاني/ دار المعارف المصرية/ صفحة 216). 
 فهل يا ترى كل ما يكتب في الأدبِ أدبٌ؟ طبعا لا.. ليس كل ما يكتب في الأدب يطلق عليه صفة الأدب.. ذلك لأن الأدب له طبيعة تختلف عن أي كتابة أخرى قد يعتقد كثير من القراء، أنها هي الأدب.. ومن هنا تتحدد نظرة كل قارئ لما هو مكتوب/ مطبوع أو شفاهي/ مسموع انطلاقا من مفهومه وتصوره الخاص للأدب بأجناسه المختلفة من شعر أو نثر... وإذن لا بد من إدراك المتلقي للأدب، بأن الأدب الذي يتميز بــ (الأدبية) عن غيره مما هو مرقون أو مكتوب في الكتب والمجلات وغيرها، هو ذو طبيعة مميزة فنيا وجماليا، إذ له أثر على نفسية القارئ،كما له وقع في وجدانه وأحاسيسه.
 والأدب الذي لا يُحدِث تَغييرا فكريًّا في المُجتمَع.. هو أدب لا يلامس واقع الناس ولا يهتم بقضاياهم ولا يتناول مشكلاتهم، وبالتالي فهو مجرد كلام عاجز عن التغيير على مستوى الفكر والمجتمع، ولنا في أدب السلف من الأدباء الذين أحدثوا تغيرا بقصائدهم وكتاباتهم نماذج كثيرة في تراثنا العربي قديمه وحديثه.
 وإذن فأدب قادر على أن يترك بصمته على سلوك المتلقي، وأثره البالغ في نفسيته، دليل على فاعليته ونجاحه.. ولا يتم ذلك إلا بصدق المشاعر التي تكون بمثابة المرآة العاكسة لتلك المشاعر في سطور مرصعة بدرر النوادر الأدبية.

الأستاذ محمد خضير "شاعر"

تغييب عن المهرجانات لأصحاب الأقلام الجادة والقادرة على رفد خزانة الأدب 

كيْف تَرَى الجَمال في الأدب قديمًا وحديثًا؟ 
الجمَال، ومنذُ قابيل الذي فتكَ بأخيه، كان مادةً للصِّراع والسَبْق، وعندما استطاع الإنسان إيجاد سُبل الإبداع؛ نحتَ ما سَلَب لُبَّهُ على جدران الكهوف في رسالة تؤكّد أنَّ الجمال يستحقُ مِن الحياة خُلودها. وحين أدركَ هذا الإنسان سرَّ الكتابة؛ مضَى إلى توثيق الجمال بقصائد ساقَها آلاف الشّعراء والفنّانين إلى أن وصل هذا الجمال اليوم إلى فكرة التجريد باللون والكلمة. وقد استطاعوا قديمًا إتقان وصف الجمال لأنّه خَلا من أقنعةٍ صنعتها "المكياجات"، غير أنَّ الوصفَ اليوم تزيَّنَ بشيء مِن "مكياج" اللغة ففقد شيئًا من قيمته، وكثيرًا من أغراضه.
هلْ كُلُّ ما يُكتَب في الأدبِ أدبٌ؟ 
أعتقد أن الأدبَ قد أصابه شيء مِن التحوّل بعد أن صنعَت مواقع التواصل الاجتماعي مِن روّاد صفحاتها كتّابًا وشعراء لا يدركون سرَّ الموهبة، ولا يتقنون صناعة الدهشة. ناهيك عن الجوائز التي أشعلَت سباق الكتابة بحيث أمست الأجناس الأدبية تُفصَّل على قياس هذه الجوائز التي ذهبت إلى مقاييس سياسية ومحاصصة لا علاقة لها بالثقافة المرجوّة.
كيْف تَصفِ الأدبَ الَّذي لا يُحدِث تَغييرًا فكريًّا في المُجتمَع؟
هو لا بدَّ أدب رخيص منطوٍ على نفسه وصاحبه، لأنَّ أسْمى رسائل الأدب هي ما ينعكس منها على سلوك العامة، وإذا خَلا هذا الأدب مِن فكرته التي قامَ عليها أَولى بناشِره أنْ يدرك حجم مساهمته في إتلاف الذائقة ونشر الكسَل الفكْري.
ما السَّبيل إلى أدبٍ فاعلٍ؟
الأدب الفاعل يحتاج منا إيجاد منابر حقيقية تدرك حجم الحروب المعلنة على الّلغة العربية، وقادرة على إنهاء فكرة الخلط بين الشاعر والمتشاعر، وبين الناقد والحامد، وأن تكون هناك لجان تابعة لجهات النشر تُعنى بتحمّل مسؤولية ما يُنشر ومراقبته من حيث المهرجانات التي يشارك بها المقرَّبون مِن المنظِّم وذلك على حساب أصحاب الأقلام الجادّة والقادرة على رِفد خزانة الأدب بأعمال تعكس الثقافة الحقيقية لهذه الأمة. الّلغة والمضمون، وأن لا يُترك الحبل على الغارب كما هو الحال في كثير من البُلدان.

يتبع

الشباب و موازين التغيير








#تأملات  الشباب و موازين التغيير 

         أقول و بكل مرارة أن الشاب الذي يبلغ من العمر ثلاثين  سنة؛  ليس صبيا مراهقا،  أو فتى متهورا ،  أن هذا الشاب أمثاله في المجتمعات المتحضرة  ،  يتصدون  محافل صناعة النهضات الثقافية و الإجتماعية والسياسية. 
فمتى يعي أبناء قومنا أنهم يأسرون الشباب،  و يمنعونهم حقهم في قيادة المشاريع؟! 
متى  يدرك قومنا  أن هذا الشباب قد امتلك زمام أموره،  و بلغ سن الرشد،  و قد فارق الفطام منذ سنوات طويلة !  
إن الذين يتاجرون في عالم السياسة بلغوا سن اليأس،  و انقطع  حبل الرحم عن الولادة    . 
فمتى تترك   الأمكنة   للشباب اليافع، و يترجل الشيوخ عن الصهوات للفرسان الشباب؟؟   و متى  يكون لعجائزنا   و لشيوخنا مراتب التكريم و الإحتفاء بعد عمر العطاء  ؟!     فيكونوا قدوات  صالحة لأبنائهم الشباب  .
         
       أقول على الشباب اليوم أن يتسلم المشعل، و يمارس حقه المسلوب،  فالشباب هم  من يملكون الحماسة،  و هم من يملكون قوة العطاء و العمل،  و هم الأكفاء في فهم أسلحة العصر،  و هم الأقدر لمواجهة التحديات و الصعوبات الراهنة.  فعلى الشباب اليوم أن يشرع الأبواب المقفلة  المشمعة  . 
و  على الشباب اليوم أن يأخذ المكان لينطلق في عالم السياسة،  فالذين يشغلون الوظائف اليوم  ليسوا أكفأ من الشباب المثقف، إن  الشباب اليوم   يملكون  أعلى الشهادات،   و يشغلون  أهم الوظائف. 
ما يجب أن يدركه هؤلاء أن  الشباب عبر مر العصور، كان و مازال    شعلة  الطريق، هم من يتحملون أعباء صناعة  النهضة في أوطانهم. 
فعلى الشباب اليوم أن يكونوا  أوعى من كل وقت  ،  أن التاريخ  لا يرحم المغفلين،  و لا يرحم  الذين يعيشون في السراديب أو يعيشون في الكهوف المهجورة، أو الذين يتلحفون اليأس غطاء و سترة .  على الشباب أن يتحمل مسؤوليته في صناعة التغيير الإيجابي،   فيحمل الفأس و القلم،  ليرسم مستقبله بيده،  لا ينتظر من يرسمون  مستقبله حسب حاجياتهم و وفق مصالحهم  .
إن هؤلاء يريدون الشباب تابعا لهم،  ينتظر الإشارة من  الأشباح التي مازالت تتحكم في الأدوار. 
هؤلاء الذين ما زالوا يقبعون  يعيشون على الماضي التليد،  لا يرضيهم أن يتول  الأمر شاب مثقف صنع نفسه باجتهاده و صبره و تحمله.  
         
      إن شبابنا اليوم ليس بالضعف الذي يصوره المتٱمرون،  الذين يريدون صرف الشباب للهو و القمار أو  السير في الضياع، أو النسيان، أو ركوب   طريق التطرف و الغلو  ، أو أي سبيل مدمر، تضييع معه  المكاسب و المدخرات  .
على  الشباب الذي نحسن الظن فيه،  نحسبه ليس من طينة هذا الفريق.
على الشباب اليوم أن يوثق الصلة  بدينه، أن يعتز  بأصالته، ان يعمق معاني الولاء  للوطن  في نغسه،  عليه أن  يستشرف الأمل  بثقة، فلا يفصله عن هذه المعاني  زيف المبطلين من زراع اليأس و القنوط.

          كعادتي دائما أرطب المقال ببعض الذرر و الفوائد؛  لأهمية هذه الموضوع المعالج،  أسوق هذه الكلمات على  طولها،  و لكنها تحمل فوائد،و  نفائس ثمية لأحد رواد  النهضة في الجزائر،  و واحد من قاماتها المثقفة إنه  الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله ،   يبعث رسائله شحنات  محملة بالأمل  يقول:  

"   أيها الشباب: ساء مثلا ً مَنْ أوهمكم أن بينكم وبين الموت فسحةً وإمهالاً، لقد علمتم أن الموت لا يخاف الصغير، ولا يعاف الكبير.
وأسوء منه نظراً مَنْ تَوَهَّم أنكم لذلك أبعد عن الله من حيث المعاد؛ فإنكم أقرب إلى الله من حيث المبدأ، وأن أثر يد الله فيكم لأظهر، وأن المسحة الإلهية على شبابكم لأوضح، وإن أغصانكم الغضة المورقة لمطلولة بنداء السماء، وقد وخزتها خضرته من كل جانب، وإن نفحات الله لتشم من أعطافكم وشمائلكم؛ فلئن كنا قريباً من لقاء الله بالموت فلأنتم أقرب إليه بالحياة، ولئن صحبكم الاتصال به في جميع المراحل فيا بُشراكم، ولئن كنا نقبل عليه كارهين مُتَسَخِّطين على الموت فأنتم مقبلون من عنده فرحين بالحياة مستبشرين؛ فَصِلوا حبلكم بحبله واحفظوا عهده، وحذارِ أن تقطعكم عنه القواطع.
أيها الشباب: إن الشباب نسب بينكم ورحم وجامعة، ولا مؤثِّر في الشباب إلا الشباب؛ فليكن بعضكم لبعض إماماً، وليعلِّم المهتدون الضُّلالَ.
دينكم _ أيها الشباب _ لا يفتننكم عنه ناعق بإلحاد، ولا ناعٍ بتنقص.
وربّكم _ أيها الشباب _ لا يقطعنكم عنه خنَّاس من الجِّنة والناس.
وكتاب ربّكم _ أيها الشباب _ هو البرهان والنور، وهو الفَلَج والظهور، وهو الحجة البالغة، والآية الدامغة؛ فلا يزهدنكم فيه زنديق يؤول، وجاهل يعطل، ومستشرق خبيث الدخلة، يتخذه عضين؛ ليفتن الغافلين، ويلبِّس على المستضعفين.
إن دينكم شَوَّهَتْه الأضاليل، وإن سيرة نبيكم غمرتها الأباطيل، وإن كتابكم ضيعته التآويل؛ فهل لكم يا شباب الإسلام أن تمحوا بأيديكم الطاهرة الزيف والزيغ عنها، وتكتبوه في نفوس الناس جديداً كما نزل، وكما فهمه أصحاب رسول الله عن رسول الله؟.
إنكم قد اهتديتم إلى سواء الصراط؛ فاهدوا إلى سواء الصراط، إنكم لو عبدتم الله الليل والنهار لكان خيراً من ذلك كله عند الله وأقرب زلفى إليه أن تجاهدوا في سبيله بهداية خلقه إليه.
إن تلك الفئة القليلة من أصحاب محمد ” ما فتحوا الكون بقوة العَدد والعُدد، ولكن بقوة الروح؛ فانفخوا في هذه الأرواح الضعيفة التي أضعفها الضلال عن طريق الحق تنقلبْ ناراً متأجّجة.
حيّاكم الله وأحياكم، وأبقاكم للإسلام تذودون عن حياضه، وتوردون في رياضه، وللغة العرب تصلون أسبابها، وتردون عليها نضرتها وشبابها، ولمواطن الإسلام تصونون عرضها، وتردون قرضها، وتحفظون سماءها وأرضها، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته "   .

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 4/267_271.

فهل يفقه شبابنا الدرس،  أم أنه تظل رحى الطحونة تدور  ؛  و تفعل فينا ما تفعله بالقمح الصلب؟! 

الأستاذ حشاني زغيدي

الأربعاء، 15 يناير 2020

خاطرة: مَسَحاتٌ أخوِيّة

تأملات:  مَسَحاتٌ أخوِيّة 
       

      للأخوة مذاق خاص،  و أحاسيس جمالية متفردة،  إن اغترفنا من نبعها الصافي،  نسجت خيوطها في القلب،  شرايين تتدفق حبا و جمالا،  و إشراقة نورانية،  تلمع نورا،  فكل همسة ٱخوية  تشرق بأنوارها، فتكسبنا  زادا  يغذي الروح،  فالأخوة زاد،  لا أقول زادا يشبع البطن،  و لكنها روح تسري في شرايين القلب،  فتكون  روضة مزهوة بجمالها .
و  هي لحن جميل  ، لا تمل سماعه، فقي كل زاوية من زواياه أنشودة جميلة، أنشودة يتجدد لحنها  مع كل هزة   في القلب  ، و أنشودة نرددها صباح مساء مع الحادي.
نردد: 

أخي أنت لي دفقة من حنان
أخي أنت لي نفحة من أمان 
وآمال قلبي ومشعل دربي    
وأنت ضياء المدى والزمان

        فطعم الأخوة  في مذاق  الذوق، سحر له لمسته و له مسحته، التي تميزه عن كل العلائق، فرابطته أسمى الروابط الإنسانية، حب بلا مقابل  ، أما  شروطه  ، إيثار يحط من قدر النفس و يعلي شأن الأخوة، فتحتل رابطة  الأخوة المرتبة الأولى في منزلة المراتب ، ثم يرافقها سلامة صدر خال من الغل و الحقد، سلامة صدر خلصت  من  الحسد  .

        و من جماليات تلك الأخوة،  أنها أخوة   ترتقي  بسموها فتناطح السماء في طهرها،  أخوة ترتقي على الأعراق و الأنساب،  ترتقي على جغرافية الأرض   ( كلكم للآدم و آدم من تراب) أخوة ترقي بسمو مداركها  فتتجاوز الحدود ، أخوة نردد ألحانها شدوا  رخيما، ينعش الروح، نردد: 

ياأخي في الهند أو في المغرب 
أنا منك ، أنت مني ، أنت بي
لاتسل عن عنصري عن نسبي 
إنه الإسلام أمــي وأبـي
إخوة نحن به مؤتلفون
مسلمون مسلمون مسلمون

         هي مسحات أخوية مرت حولنا يوما ما،  و لكن اليوم نطرق بابها لتعود أيامها كما كانت، فما أحوح أخوتنا لبعث روح جديدة فيها، نجدد العهد كما كنا في أيام أمسنا الجميل   ،نجدد لقاء الوصل المقطوع،  الذي طال أمده، نلتقي على الحب الصادق في الله تعالى ، نلتقي على الخير الذي ٱمنا به.

الأستاذ حشاني زغيدي

السبت، 11 يناير 2020

أحن لجلسة جدتي

#القصة_القصيرة 

القصة القصيرة أو الأقصوصة هي نوع أدبي عبارة عن سرد حكائي نثري أقصر من الرواية، وتهدف إلى تقديم حدث وحيد غالبا ضمن مدة زمنية قصيرة ومكان محدود غالبا لتعبر عن موقف أو جانب من جوانب الحياة، لا بد لسرد الحدث في القصة القصيرة أن يكون متحدا ومنسجما دون تشتيت. 
-------------

#تأملات: أحن لجلسة جدتي  

         مازلت أذكر رسمك جدتي في مخيلتي، مازلت أذكر ترانيم ذلك الزمن الجميل، حين كنت  تحيطيننا بحبك و عطفك    ، كنا نرتشي أعذب الألحان من  ثغر جدتي الباسم   ، كنا نتلهف لسماع  صوتك الرخيم  ،  الساكن  بين جنابات غرفة  جدرانها  من طين  ، و سقفها من سدّات  جريد النخيل، أذكر  حين كنا نتدفأ من فرن الغرفة الذي تعلوه مدخنة،   يجملها  دخان أبيض  عثيم، هناك تحلو الحكايات و الأحاجي  ، حكايات لها من الخيال الرحب جمال خاص،  فكنا نسافر مع تلك الحكايات الجميلة  ،   نحلم  في الأفق، كأننا فراشات.

        كانت جدتي   تروي  الحكايات من نبض خيالها الرحب الفسيح،   تحكي  فيتلبسنا  خوف مهول،  حين نسمع حكايات أمنا  الغولة   ،   و في و مضات أخرى  نعيش الفرحة و السرور مع حكايات  و طرائف حجا  .   كيف ننسى جمال تلك الجلسات ؟   التي كانت تعوضنا  جلسات التلفاز  و أفلام الكرتون،  حقا كانت لنا أيام  نعدها أجمل الأيام، كنا  نستمتع بتلك اللحظات الجميلة ،  التي كانت تنعش الخيال و تغذي العقل، و تهذب السلوك، كانت تلك الجلسات  ، تقوي الروابط و الأوساج العائلية،  جلسات تجمع الكبير و الصغير، تجمع أبناء العمومة و الأخوال، كنا نقضي أيامها   في زهو  و فرح و مرح   ؛   و لكن نعرف أنها لن تعود، فالأيام الجميلة الحلوى عدمناها في زمن  الشبكات و الهواتف، و غابت معها أسمار العائلة  ،  في كنف بيت العائلة  الكبير  .

         أننا اليوم أصبحنا نعيش اختلالا واضحا  ،    غاب فيه  طيب جلسة جدتي  التي كانت تسامرني في في صحوي و في منامي     ، كانت جلسات جدتي   كالنسمة  الطيبة ، نسمة   تختلف عن نسمات  زماننا،     حيث  تعد لتلك الجلسات المخفية أثر، غير قيل و قال، و   غابت  معها  الحكايات   المشوقة   ، و غابت عنها  حكايات زمن جميل  .
غابت جلسة جدتي التي كانت تؤنسني      و ها  قد كبرت اليوم   ، و أصبحت كهلا،    و لم أعد  صغيرا كما كنت  ؛   لكن أحلامي مازالت تحفظ الكثير   و مازالت    تذكر  الكثير من أسمار جدتي   ،  التي كانت  مصدر متعة   مصنوعة من وحي خيال جدتي .

الصورة حفيقية لجدتي والدة أبي نانه  :  حبارة بنت الشيخ الصالح بن عبدالله بن زغيدي   
-------------------
الأستاذ حشاني زغيدي

الجمعة، 10 يناير 2020

تأملات:

#تأملات:  ذكرى في محرابي

خاطرة  :  ذكرى في محرابي 

        في مكاني المفضل، كنت أقضي أجمل أوقاتي، كنت أعيش  أسعد أيامي، بين جنبات  صحنه كنت أجد نفسي الشاردة، كنت  أجد ريح المكان يشدني، يرتقي بي بين أركانه، في خشوع و سكينة،  كان للمكان روح خاصة، حين يترنح المكان طربا بوجودي، أتسمع أصوات التسابيح، في سكون، تخرج الكلمات مرتعشة،  من  أفواه مبتهلة، أسمع تلك الكلمات الرطبة اللينة  ،، أسمعها    من شيخ يجلس بجانبي،  يرطب  لسانه ذكرا  و دعاء، فتسبح النفس  في الأفق   ، و ذاك يحمل مصحفه يتغنى بٱيات  القرٱن   ،يرتله بخشوع،   فيزيد نكهة تأملي و تدبري، و أنا أحبس أنفاسي أتسمع روائع صنع الله، في كتابه المكتوب، فأجالس الٱيات،     فتهزني ،  تحملني في شوق إلى    رحاب  التوحيد   ، و ٱيات  تداوي جروح نفسي  فتهذبها و تزكيها.

         و تزيد  المتعة  في مكاني المألوف  حين يرتفع صوت الآذان  من المٱذن   معلنا   " حي على الصلاة " فيزيد الشوق للوصال، و يزيد الشوق   و الصلة في رحاب التكبير،  و الركوع،  و السجود ، و القراءة و الدعاء، يحصل كل ذلك في لحظات شوق، لا أريدها  أن تنقطع  لحظاتها  ، لكن   متعة  تلك  الإستراحة الربانية  ما  تلبث أن تنهي لحظاتها  الجميلة  بالتشهد و الدعاء،   ليكون ختام  ذلك اللقاء  سلام و رحمة و  بركة  . 

         و تظل تلك النفحات تتجدد مع فيض ذاك المكان  المفضل، فهو   بيت المؤمن، هو بيت التقي  ، هو بيت الإرتقاء  ، إنه مسجدي  .

الأستاذ حشاني زغيدي