الثلاثاء، 21 مارس 2017

الدعاة و عبادة التسبيح الأستاذ حشاني زغيدي

   
  كل شيء يسبح  بحمده   :                             
     يسبح الكون لله تعالى تسبيح إقرار و اعتراف   بالإله  الواحد المستحق للعبادة  ، فيسبح الطير و الشجر،  و  يسبح الجماد و يسبح الورق في الشجر لله  ،  و يسبح  الحوت في البحر ،  وتسبح  ذرات الرمل الذهبية  لله  ،  و تسبح نسمات الصبح في شروقها   لله   ،  ما في   الوجود شيء و إلا و أنفاس التسابيح ترسل للسماء حبا لله  و تعظيما لله  تعالى  .  يقول جل شأنه   "   تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }الإسراء44 "
التسبيح يدلل الصعاب  :
     إن السير في دروب الحياة ،  و السير في دروب الدعوة  ، و تحمل مشاقها يضعف كيان النفس الضعيفة ،  النفس  المجبولة على الضعف ،  و هي طبيعة فطرية لهذا الإنسان  ،  فيحتاج   للمقويات  يقوى  بها على حمل هذه  التكاليف المتنوعة ،     إن  حاجة أصحاب الدعوة و حملة رسالة الخير  أكثر طلبا  لهذا العون ،  فالله  سبحانه   أولى من يلوذ إليه المحتاج ،  و يلوذ إليه صاحب الكربات ،  و يلوذ إليه كل من ضاقت به السبل  ، ويلوذ إليه المظلوم  ، و يلوذ إليه كل من سدت الأبواب الموصدة في وجه ،   فليس هناك غيره يفك الضيق ،  و ليس هناك غيره  يزيل هموم النفس المتعبة بأزمات الدهر،   و ليس غيره يشرح النفس فيبعث  فيها السكينة و الهدوء، فتسعد    الروح   و يبعث  فيها القوة  الموجبة  التي تكسر أعتى الأعاصير   . يعرض القرآن  الكريم  في سورة الصافات نموذجا  حيا لنبي الله يونس النبي المسبح يقول الله تعالى  : " وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ  "  (148)  
التسبيح دليل على صدق التعبد  :

      إن اكثر  الناس لزوما للتسبيح  هم أخلص الناس و أقرب الناس ،   هم الأنبياء عليهم السلام و كل من سار على هديهم ،  و قد كان حبيبنا محمدا أشد تعلقا بفن التسبيح و الدعاء ، حتى أقر المولى سبحانه و تعالى هذه الصفة تخصيصا  فكان متضرعا مبتهلا  ،  يرجو رضا ربه مظهرا  بين يديه ضعفه و حاجته    في سكون الليل ،  ليتقوى على تلك   المصاعب   و مواجهة ما يكره  بالعبادة ،  حتى نال الإقرار و الشرف من ربه  عز و جل  فيكفيك  أن تتأمل هذه الآيات الكريمات    لتعيش في رحابها   وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ(98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ   "   (99) }سوره الحجر   و   قال الله تعالى :   "  إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ   " سورة المزمل: من الآية   20  وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه .. قالت عائشة : يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ :  "  يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا  "  رواه  مسلم  .

        ما أجمل هذا الدعاء  ، و ما أرقه و ما أقوى لغته ،  و ما أجمل معانيه ،  دعاء  تجلى فيه قمة الأدب ،  و ما أجمل تلك التسابيح المرسلة في رحلة الدعوية  الثقيلة  المكلفة  . هناك و في الطائف بالتحديد ،  و القصة معروفة يلجأ الحبيب بلسان المسبح ،  طالبا  العون  و النصرة  في غير سخط  أو لعن أو يأس ،  فكلمات الحبيب وحدها المعبرة لجماليات تلك الصورة الرائعة  في فن التسبيح و الدعاء   . 

"   اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، انت رب المستضعفين وانت ربي لا اله الا انت ، الى من تكلني ؟ الى قريب يتجهمني ، ام الى عدو ملكته امري ، ان لم يكن بك سخط علي فلا ابالي غير ان عافيتك هي اوسع لي ، اعوذ بنور وجهك الكريم ، الذي اضاءت له السموات والأرض وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه امر الدنيا والآخرة من أن يحل علي غضبك او ينزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حوة ولا قوة لنا الا بك   "


        إن حالنا اليوم مع هذه  الخيبة التي تعيشها الأمة و هذا الضعف التي استشرى في مفاصل حملة المشاريع  تحتاج منا إلى أوبة و رجعة  إلى  الله   لتعود  لنبعه الصافي   لتعود لحياة بريقها ،  فيعود الأمل المسلوب من القلوب التائهة المغيبة في سجون المادة الفاتنة ،   وليزول من القلوب الخوف المزروع في أعماق النفس ،  فنحطم تلك الآلهة المزعومة  فتكون عبيدا لله تعالى،   فنكسر الأعلال و السلاسل التي شلت حركتنا لنكمل المسير في ثقة في الله و نصره ،   فيشع  الخير في النفوس .

و الله أكبر و لله الحمد                الجزائر  في   20       / 03      / 2017

الجمعة، 10 مارس 2017

خواطر في التربية و الدعوة المربي القدوة بقلم الأستاذ حشاني زغيدي

       
        رغم طول المدة ، و مرور سنين العمر، مازلنا نشتاق لمرافقة المربي الذي يأخذ بيدي إلى طريق الهداية ، و يسرح بي   في دروب الدعوة ، و مازلنا نحن لجلسات العلم في حلق في باحات المساجد ، ما زلنا نحن لذلك المربي الذي يتفقدني  في الصفوف و في أوقات الأذان ،   لتدرك معه لذة التكبيرة الأولى  ،  و الله لن أنسى تجدد روح شهر الصيام في ضيافة نافلة الصيام،   فكم كانت الروح تجدد و نتلذذ  بمائدة القرآن تلاوة و دراسة  .

      أكيد يذكر كل من عاش نفحات تلك الأيام التي لا انسى  لذلك المربي اسهامه  في  توطيد علاقتي بأسرتي ،  حين أغيب عن البيت لواجبات دعوية  ، فأجد ذلك المربي قد رطب الأوضاع ،  و مهد الطريق لرضا الوالدين ،  ما زلت أذكر حرصه   لتطوير مهارات العمل الخيري و الدعوي و الثقافي ، فكنا كخلايا نحل ، فقد كان يسبقنا إلى ذلك فكان أكثر حملا  .

       و إني أشهد أن ذلك المربي لا تغيب عنه شاردة و لا واردة ،  فكان نعم المرافق و نعم المتابع ،    و من الفوارق التي سجلتها لذلك المربي ،  أن طيبته فاقت كل نظير،  و بشاشته و تبسمه معهودتين  التي لا تكلف فيهما ،  و مع ذلك كان قوي المراس،  حازم في مواقفه رغم ذلك اللين و ذلك الرفق  .

      كم كنت أتمتع بتلك المعايشة التربوية الإيمانية ،  فكانت الأيام تحلو بتلك الرفقة التي تنورت  بإخوة في الله  في أسرة تربوية  ،  كان قوامها تلك المعاني الراقية التي كان من أركانها  ،  تعارف   تجاوز حفظ الأسماء  و تفاهم  ولد انسجاما  في الأفكار حصنه  فهم  الإسلام الحنيف .  و لا انسى لذلك المربي  تعزيزه لكل معاني التكافل الاجتماعي  ،  فكان الواحد منا يحس أن إخوانه أحق من نفسه ،   فتألفت القلوب و الروابط بتلك المعاني الصافية  .

     رغم تلك  المنزلة  التي احتلها ذلك المربي في قلوبنا  ،  فقد كان حرصه كبير أن ترتبط  تلك القلوب  حول الدعوة  ، و في الغاية التي خلقنا من أجلها ،   فكان    شعار ه  [ الله غايتنا ]   الذي  يشدنا باستمرار في كل حركة و سكنة  و فعل    و في  مشاريعنا  . فكان  دليلنا قوله تعالى   "  قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين   فكان صوت ذلك المربي  يهتف  دائما  بذلك الشعار الرباني ،  الذي يربط الأرواح بالسماء  [ الله غايتنا ]  .

.        تمضي الأيام و لا يزال طيب تلك الأيام محفورة  في ذاكرتي لذلك المربي الكريم  الخلوق القدوة  ، رعاك الله  أيها  المربي ، فلك مني الحب ، و الدعاء و التوقير،   احفظ لك  الود و التقدير ما حييت  ، نور الله دربك بالإيمان و القوى 



     و الله أكبر و لله الحمد                الجزائر  في 09      / 03     / 2017