الأحد، 11 أكتوبر 2020

سراق الأحلام

خاطرة:  سراق الأحلام 

         في عالم مليء بالأسرار، مليء بالفرص،  في هذا العالم الممزوج بإيرادات الخير و نوازع الشر، في هذا العالم تترصد السائرين الألغام و المصائد.   

         بين هذا و ذاك  تذوب أحلامك،  فواحد يريدك  سلما يرتقي به،  و الآخر يريدك رقما في سجله،  يريد وقت الاقتراع،  و آخر يريدك بريدا يرسل من خلاله رسائله  .

        بين هذا و  ذاك، تذوب الأحلام،  فالكل يريدك وزنا  خفيفا ،  حتى ذاك الذي يمر بجانبك،  يرسل لك رسائل التعزية،  يرسل لك  برقيات شؤم ،   تنذر بقرب وفاتك ،  و ينذرك  بهروب المعزين في عزائك،  يخبرك إن لم تتخل عن أحلامك، سيهجرك الأصدقاء،  لأن طيف الشر،  لا يريد زيادة،  فوزنك يقلقه،  بل يفزعه،  لهذا بريدك وزنا خفيفا،  كوزن الريشة!   يريدك صفرا في المعادلة،  في هذه الأحوال؛  حدثت نفسك  في الظلام حتى لا يراك  طيف خيالهم المزعج. 
 فمثلي و أمثالك  يفضلون الإبحار في السكون و الهدوء،  يسيرون الهوينة ، بخطوات محسوبة و معدودة،  ليس ضعفا و ليس  انهزاما، و ليس هروبا من الحلبة،  بل  السير في  التآني فيه   السلامة، بل هو توفير الآمان لأحلامك  . 

         فأن   يسير الواحد منا و هو يعد ّ المسافات المقطوعة  بعداد الحسنات،  يتصيد أوقات الأرباح، يقتنص  فرصها، يترصد أرباحها في أماكنها المحجوزة  ،فالأماني مغرية و الطبالون لها كثير   ، و المرجفون في القرية    المزعجة، يحبسون الأوقات  الحالمة، حتى لا يستيقظ أمثالي و أمثالك، فالأوقات الرابحة  في ميزان الناجحين مؤشر العبور لطريق الريادة و الإبداع. 
فقد صدق من قال  ( الوقت هو الحياة ) 

الأستاذ. حشاني زغيدي          

الأحد، 4 أكتوبر 2020

همس في أذن شاب

همسة في أذن شاب                

         أي ولدي الغالي   ،أيها الشاب الذي رسمته في مخيلتي صورة خمائلية  ، صنعت له رسما في مخيلتي ، رسمت له صورة من قطف شبابي  ، حين  كنت شابا في مقتبل عمري ، تخيلته   أنا أعبر بدايات طريقي، أرافق الأصحاب في بداية مسيري ، كطفل صغير في أول خطوه ،  يحلم مثل  العصفور  في بدء تحليقه  .

    عادت بي الذاكرة  لتلك الأيام الأولى، حيث سلسلة الأوراق،  نصادق الكتاب، نقرأ بنهم، ندون ملخصات مطالعتي  على كراستي، أرسم رؤوس أقلامها  . 
كنت  صاحب تلك   اللمسات المضيئة في عالم مزهو بالثقافة،    في بيئة صاغها الجفاف و الركود و الجحود ،  لكن رغبة الشباب في تلك المرحلة،   كسرت القيود  بقفزة   نوعية  و   رفع الشباب متحديا ذاك الجمود و الركود،  ،  فكنا نتابع جديد الثقافة من خلال معارض الكتاب التي   تقام في  قصر  المعارض  ، أو خلال المكتبات  أذكر منها للمثال لا الحصر  مكتبة قرفي  أو مكتبة  دار الشهاب أو الزيتونة أو مكتبة دار الخلدونية،  لقد كانت هذه المنارات السرج  الثقافية في وقتنا.    
 
        و أنا أسترجع ذكرياتي مع الكتاب و المطالعة، رغم تبذل الأحوال  ، يبقى الحنين يشد أمثالي  لتلك الفترة ، يشدنا بجمالياته و روعاته، فلم تكن الظروف كعهدنا اليوم  ، حيث  أصبحت وسائل التعلم و القراءة و التثقيف  متاحة من خلال تكنولوجيا  العصر .

       فقد كان الشباب في تلك المرحلة  ، يتقنص الفرص،  يغتنم المناسبات ،  يطوي المسافات ليشارك بحضوره  الملتقيات و الندوات و المعارض الثقافية، فكان الشباب يومها  لا تفوته  فرصة المشاركة   في الحراك   الثقافي المبدع   . 

          و أن ما ميز حياتنا  و نحن  فتيان، ذلك التعاضد القوي، الذي صنع مشهدا ثقافيا  مميزا  ،نشط  الفرق الإنشادية و أقام المسارح،  و أقام الملتقيات الثقافية،  و أنشأ قاعات المطالعة  في النوادي و المدارس ،   فقد كان شباب ذلك الوقت  شبابا واعدا  واعيا  ،  يحمل مشروعا  ، يحمل مشروع  يقظة بصدق  .

        و اليوم   و أنا على أعتاب العقد السادس، مازال تعلقي بروح تلك المرحلة الذهبية، فما زلت أحن لتلك الأيام التي مضت     ، أحن لأيام كنا مثل الشموع المضيئة، و مازال ذلك التعلق لمرحلة عمرية رسمت لها في ذاكرتي أعراسا و أفراحا، و مازلت اليوم أحن لأيام خلت   ،  أمني نفسي الضعيفة  لتسعيد   ومضة ذلك الزمن الجميل  ،أمني النفس  أن ترافق  شباب هذا الجيل،  فتحكي  له حكاياتي، حكايات زمن ولّى، لكن نفحاته باقية،     فما زلت أحن  أن تجالس أنفاسي براعم الجيل الجديد  ،  و أن أدفع  بحريريات طاقتي الضعيفة،  لأسعد نفسي  مجالسا الشباب  ،   أجالس   الشباب أروي لهم قصة الثقافة في بلدي  ،   و أستمع لزفرات الشباب  وإبداعات الشباب ،  فليس كثيرا علي أن  أمنح  جزءا  يسيرا من اهتماماتي لهذا الشباب الواعد  ، من خلال مسيرتي  المتواضعة أن أضع الجزء اليسير منها تحت تصرف أبنائي ، فأظل  أتابع و أشجع كل مبادرة و كل خطوة و مشروع يرفع التحدي الثقافي  في البلد  ،  لنكسر الجمود و السكون القاتل  ، و  الصمت المطبق  ،  و ذلك ليس  مستحيلا،  أن نر تلك الجهود المباركة و قد استحالت واحة تشع   بإبداعات  الشباب  في شتى الفنون  ، لنرى تلك الابداعات و قد ولدت  فضاءات  في القاعات و المعارض و المحافل  تصنع الحدث بلمسات الشباب  .

          ما يعيننا  في هذه المرحلة أن لا نسمع لنداءات الفشل  المرافق لتلك الولادة   ، فعلى الشباب الذي يحمل مشروعا أن  يترك حياة الشباب   الذي  يعيش  على الهامش ، الشباب الذي  يعيش  الاضطراب  و التعثر  ، الشباب الذي يستهويه التردد و الانزواء وراء الأوهام القاتلة   ، فعلى الشباب أن  يمضي ليستكمل مسيره  في ثبات  بخطى ثابتة    بارك الله جهودكم في النفع الثقافي و أنتم  و الثلة المميزة من الأدباء و الكتاب و الشعراء و رجال الإعلام و الجمهور المشجع   .

        ولدي الشاب   لم يغب عن بالي أن البلد  تخطو خطوات متقدمة في النشاط الثقافي المبدع من خلال تلك الماسات التي تحدت الواقع الصعب و الجحود  لأهل الإبداع  ، و لكن إصرار مجموعة محددة من أبناء البلدة   رفعت  الحجب ورفعت  سقف المطالب  ، أملي    و أمنيتي  أن يستمر العطاء لاستيعاب كل الكفايات الموجودة  من خلال التنقيب واستثمار تلك المواهب في وعاء ثقافي جامع ،  وهو أمر  ليس مستحيل التحقيق ،  إنما بالتفعيل و تجسيد المبادرات  و المشاريع الثقافية  أراه  شريطة أن تتجمع الطاقات  ،       ليساهم الجميع  في تلك اليقظة  بمشاركته و حضوره و تشجيعه.  

الأستاذ حشاني زغيدي       

السبت، 3 أكتوبر 2020

الألفة الغافلة

ما شدني في مطالعاتي القديمة مصطلح وظفه الأستاذ الدكتور سعيد حوى صاحب التجربة  و الفكر و التربية   رحمه الله تعالى  مصطلح سماه  ” الألفة الغافلة ” و الغفلة   مرض خطير،  ينشأ حين  تراكم الأحداث   في  سيرورة الحياة  ،و تتشابك  العوامل، فتمر على شريط تسجيل سريع، فيصبح التركيز ضعيفا  ، و  يصبح المرء لا يتأثر بالعوامل سلبا أو إيجابا  ، كأن المرء في سرير التخدير  و الإنعاش، فيغيب معه  جهاز المراقبة؛  بسبب غفلة الألفة و التعود.

        و قد   أشار إليه القرٱن الكريم  في مواضع كثيرة،  مبينا تلك الحالة النفسية المرضية  ، التي تغيب فيها بوصلة التوجيه و التحكم، فالقرآن الكريم  وقف عند تلك الحالة مستعرضا صورها   ،  مصورا  حالة المرء، حين يصاب بداء الغفلة   ، فلا يفيق المرء نومه  ،  إلا إذا غاب أثر التخدير و التنويم، يستفيق حين تحصل النكسات و تحل المصائب، و تظهر نتائج قطف المحصول المخيبة ، هناك فقط ، تستعيد   الذاكرة نشاطها،  بعد فوات س الأوان،  و فوات فترة المراجعة و تصحيح   ،  و يومها لا ينفع الندم، يستفيق ذلك الإنسان و قد وقع الفأس على الرأس  .
و لكن الخسارة الكبرى؛  حين يخسر الإنسان نفسه، حين يفوته مواعيد جني المحاصيل  ،  و  يصور القرآن الكريم حالة البؤس و الحسرة  ،  حين يأتي وعد الله،  فتدرك العيون الحقائق ، و تنكشف الأسرار.

          هناك فقط يدرك العبد غفلته ، و سهوه؛ كل   ذلك بسبب تراكم المغريات و الشهوات  يقول المولى عز وجل في بيان تلك الغفلة . {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}..

        في غمار تلك الغفلة الضاربة،  هناك من يعيشون اليقظة و الصحو،   يتميز بها  العبد المؤمن،  من خلال  اليقظة الإيمانية ، التي تحرك حاسة الاستشعار  ، فتوجهه نحو الخير ، تحمله على مراقبة كل حركة و سكنة ، فتأخذ  بيده نحو المعالي و طريق السعادة  ، تبعده عن كل انحراف أو سقوط ، تأخذ بيده لطريق الجنة ، تصرفه عن طريق النار ، لأن العبد  المؤمن دوما يقظ .

        و حتى لا يصاب العبد بهذا الداء  ، حث   الله تعالى عباده المؤمنين لزوم العبادة بمفهومها الشامل  ؛  لتحقيق الإرتقاء الروحي بالوسائل المشروعة المبينة في الكتاب و السنة المطهرة . يقول الله تعالى {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف205].

         و من الوسائل  المنشطة  لزوم موائد العلم، فالعلم باب  يغدي الروح و يصنع اليقظة، و من الوسائل المنشطة أيضا  مصاحبة الأخيار من الصالحين، فالصحبة الصالحة لها أثرها في حياة  الإنسان، و أن الاستفادة من تجارب الحياة دور فعال في يقظة الضمير و صحوه، فتجارب الحياة مدرسة مفتوحة.  

     نسألك اللهم يقظة إيمان يملأ حياتنا نورا و اشراقا و يقظة  ، فيبعث فينا الحركة الموجبة، التي تسعد قلوبنا في الدارين،  و نعوذ بك من الألفة الغفلة و النسيان .

الأستاذ حشاني زغيدي
 .

الجمعة، 2 أكتوبر 2020

لن أصفق للتطبيع

خاطرة  :  لن أصفق للتطبيع 

       على نسق النثر الفني  ، صغت خاطرتي، أعيش مع غياب الضمير، لأن  فلسطين قضية الأمة، قضية تصفية استعمار، عنونت خاطرتي (لن أصفق للتطبيع) من منطلق عقائدي و إنساني صرف   ، قلت فيها مرتجلا هذه الكلمات العفوية: 

لن أصفق،  لن أصفق للتطبيع 
لن أهرول لن أصفق للتطبيع  
سوف أرفع رايتي ،  في مكتبي،  في مسكني،  في ضيعتي،  لن أصفق للتطبيع.

سأكلم كل حر،  كل عاشق كل من يهوى النضال،  لن أصفق للتطبيع 

سوف أصرخ في النوادي، سوف أصرخ في البوادي، سوف أصرخ   في المقاهي،  

سوف أصرخ في عوادي ، سوف أصرخ  في التخوم،  حيثما كان النفير  ،  لن أصفق للتطبيع 

سوف أصرخ في ذهابي، 

سوف أصرخ في إيابي،

سوف أصرخ في غيابي 
لن أصفق للتطبيع 

سأسير الدهر كله،  أحمل الحب الدفين، لن أصفق للتطبيع 

سأسير العمر كله أحمل الكره  لعدو،  خنق الأنفاس خنقا بحصار ظالم ،  يقتل الصبيان غدرا،  يقتل الشجعان قهرا،  لن أصفق للتطبيع  

لن يساوي القدس يوما، ما بناه  الجور يوما في قصور " تل أبيل  " 

لن يبيع الحر أرضه، لن بيع الحر حقله، لن يبيع الحر عرضه، لن أصفق للتطبيع 

سأنادي في البرايا ، أن أرضا  لن تباع، سوف أرفع  الصوت مناد  لن أصفق للتطبيع 

الأستاذ حشاني زغيدي.

الأحد، 30 أغسطس 2020

حبس العطاء

حبس العطاء      

            إن حاجتنا لإعادة دراسة الموروث الأدبي الحديث،  و حاجتنا لدراسة الموروث الإنساني ، فنخص  منتج  العمالقة من الأدباء بالدراسة و الوقوف عند خلاصات التجارب حاجة ماسة،  حيث يعتبر ذلك  المخزون الأدبي الثري    ثروة فكرية رائعة  لغنى لها عنها،  فقد حملت   دروسا قيمة  و أحكاما   و فوائد مستفادة  من خبرة الحياة، و قد  صاغوا تلك الفوائد  في نظم شعري أو نثري في غاية الروعة و الجمال  ،  ما أحوجنا  لنستفيد منه.  

و قد وقفت  اليوم أستجلي  خواطر الحكم  مع الشاعر، تغنى بالجمال و الطبيعة، وقفتنا مع   الشاعر المهجري  إيليا أبو ماضي شاعر ترك بصمته و  فوائده  و  حكمة في أشعاره  نستعرض معه بعض صور  بخل   العطاء و حبس النفع و الخير ،  ففطرة الإنسان مجبولة  على فعل الخيرات،    و  الناس في الحياة شركاء في المصالح و المنافع  .

       تناول الشاعر  ظاهرة حبس المنافع و العطاءات في قصة شجرة التينة  الحمقاء ، المستوحاة  من  وحي  خياله  ليقرب لأفهامنا  ضرر البخل خصوصا ؛  إذا  تفشى في المجتمع    ،  إن الشاعر جعل من التينة    الحمقاء   نموذجا  للإنسان  الأناني،  بخيل في  العطاء   . 
 توحشت التينة الأنانية القاتلة،  فأرادت حبس سجاياها و منافعها و،  عطاياها عن المخلوقات   ظنا منها أن  ما خصت به من  الجمال و المواهب،    انفردت به  وحدها دون الخلق،  هذا ظنها الخاطئ ،  و هي  حقيقة   مغيبة عنها،  أن  الحياة التي خلقها الله  تمضي و تستمر،  و لو توقفت  التينة أو غيرها من المخلوقات عن عطائها،  أو حسبت كل مزاياها   عن الخلق  ، فإن سيرورة الحياة ماضية   . 

 و قد  لخص قصتها في  قصيدة جاءت  في صورة تصويرية رائعة، يكفي القاريء  أن يأخذ منها العظات .
يقول في مطلعها: 
وتينة غضة الأفنان باسقة                             قالت لأترابها  والصيف يحتضر
بئس القضاء الذي في الأرض  أوجدني            عندي الجمال وغيري عنده النظر 
لأحبسنَ على نفسي عوارفها                         فلا يبين لها في غيرها اثر
كم ذا اكلَف نفسي فوق طاقتها                       وليس لي بل لغيري الفيء والثمر
لذي الجناح وذي الأظفار بي وطر                 وليس في العيش لي رأي ولا وطر
انَي مفصلة ظلي على جسدي                       فلا يكون به طول ولا قصر
ولست مثمرة إلا على ثقة                           ان ليس يطرقني طير ولا بشر
عاد الربيع الى الدنيا بموكبه                        فازيًنت واكتست بالسندس الشجر
وظلت التينة الحمقاء عارية                        كأنها وتد في الارض او حجر
ولم يطق صاحب البستان رؤيتها                 فاجتثها فهوت في النار تستعر
من ليس يسخو بما تسخو الحياة به               فانه أحمق بالحرص ينتحر

       إن  المرء الخير، النافع لغيره،  مثل شجرة طيبة ، ترسل كل خيراتها ،  فتعطي  ثمارها و أزهارها و ظلها    بلا من ودون انتظار المقابل من أحد ، هكذا هي فطرة  الله سبحانه و تعالى في   الخلائق ،  جبلها   لتعطي و تمدّ   ، تنفق في الليل و النهار ،  في السر و في العلن  ،  فهو مثل الشمعة التي تنير بأنوارها أشعة ذهبية ، تحمل النور و الضياء،  تحرق نفسها لتشع نورا  على غيرها ، هي هكذا دوما  ،  و هكذا  يجب أن يكون الاسان  الصالح   ،  يكون كأمثال تلك الكائنات ، يجود بعطائه و  بجهده و وقته و ماله و فكره يبتغي بكل ذلك  مرضاة الله سبحانه ،    يتلمس بذلك طريق الأجر و المثوبة  طمعا في الجنة ،   عطاء  لإسعاد الأهل و الأقارب و المجتمع و   يرتقي  لإسعاد أمته بل لإسعاد الانسانية  .

       إن الدارس في السنة المطهرة يستلهم  منها قيم العطاء في شتى دروب النفع ، يكفي ان نقف عند هذا الحديث الجامع نستوحي منه  الإشارات و الدلالات الباعثة  لمشروع  يقظة اجتماعية في عالمنا المفكك الأوصال الممزق الأواصر ، يكفي لهذه البشرية التائهة أن تقف عند هذه الروائع  لتسعد ، نقف عندها  الانسانية المحرومة،  لتتلمس  طريق الخلاص   .  و قد لخص الحديث الجامع فضائل الأعمال التي يحبها الله لعباده الأخيار،  ليسعَدوا في مواسم الخير،  و  قد أقبلت و قد أشرعت أبوابها   للمقبلين على الخيرات ليعطي كلا من فضله و مواهبه.

         أخرج  الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا  عز وجل عن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  "  أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.  " والحديث حسنه الألباني -رحمه الله-

الأستاذ حشاني زغيدي

السبت، 29 أغسطس 2020

رحلة إلى أعماق النفس

رحلة  إلى  أعماق النفس

في جلسة صفاء مع أحد الأحباب، نتجاذب أطراف الحديث حول حياتنا التي نعيشها، جلسنا نستفرغ الهموم و الغموم،  نسلي  أنفسنا،  نروّح عن أنفسنا.  
يقول  صحابي:   كم نحن فاشلون في فن التعامل مع أنفسنا، كم نحن قساة  و جفاة، للأسف لا نعرف مداخل السرور، لا نعرف إدارة النفس التي بين جنبينا ،  الواحد  منا  يحسب النفس آلة صماء، نلبي و تستجيب لنا، تنفذ أمورنا   بضغط على الأزرار، و هي غير ذلك.
تنهدت تنهيدة  طويلة  من أعماق نفسي  ، ثم قلت:  الواحد منا  يا صاحبي  ، يجهل طرائق  النجاح، يجهل طرائق التعامل مع النفس، فنحن عاجزون عن إداراتها بفاعلية .
و النفس كالطفل تحتاج  إلى  التربية و التنشئة الصالحة، و التعهد  بالتحلية و التزكية  و الرياضة و الترويض كما نفعل مع صغارنا.
قال صاحبي  : و كيف السبيل إلى    ذلك؟ 
قلت: لا يستقيم حال النفس و هي بعيدة عن الله تعالى، و لا يستقيم حال النفس و هي بعيدة عن فطرتها         ، فأول الخطوات معها ؛  اجعل النفس تقف عند حدود الله  ، ترعى حقوقه، تؤدي فروضه، تقبل على أمواره  تتجنب نواهيه، طوع النفس، لتكون حياتها  كلها لله، فإن الله يصلح حالها ، و ييسر أمرها ،  و يذهب همها ، و يشرح صدرها ، 
و الزم التفاؤل في كل أمورك، تشرع لك أبوابها  المغلقة ،  و تفتح لك مغاليقها ، فاليأس كفر و جحود، ففي تجارب الحياة لنا أمثال شاهدة  ؛  فما أكثر من سدّت في وجوههم الأبواب!  لكن ، إصرارا داخلي، و شعورا  بلذة  النجاح و  إصرار  على مواصلة السير و لو حبوا، دلل الله    لهم تلك الصعاب،  بتوفيق منه سبحانه،   فالله يبلغ القصد، و يتحقق المنى  .
قال صاحبي: صدقت، و لكني أرى الكثير ينشد النجاح بالأماني، ينشد الرفعة بأحلام اليقظة.
قلت:  إن الله شرع لنا عبادته بالطاعة و العمل الصالح، و أن الفوز بالجنة مرهون بالإيمان و العمل الصالح، و الأمر نفسه في أمور حياتنا الدنياوية .
و لا  يكون لنا أعمال صالحة دون أن يكون لنا أهداف مرسومة  واضحة  ،  فيضرب كل إنسان في ميدان تخصصه، و في إطار المواهب و الإمكانات المتاحة له، فينطلق لتحقيق الهدف المرسوم في مواعيد محددة في جدول  تشغيله.
و لهذا  فأن قيادة النفس و تحفيزها  و تفجير مواهبها،  لا يكون بالبطالة أو الارتجال، أو  التسويف   ، أو التنظير و التفيقه، أو باستساخ التحارب  ، فالناجحون لهم عقول،  و لهم إرادة صلبة مثل الحديد، يعملون ليكون  النجاح حليف المبدعين.
فالأمة الجائعة لا يحق لها الرقص أو السير  في طريق اللهو و المتع.
و الأمة التي تأكل ما يجلب لها من وراء البحار لا يحق لها أن تصرف المليارات في مهب الريح، تصرفها في مشاريع الترف و البدخ، إن الأمة التي تريد النهوض تحمل النفس على رياضة رفع الأثقال و المارطون الطويل  .
طوى صاحبي ختام اللقاء مرددا الحكمة القائلة: " لا نحقق الأعمال بالأمنيات وإنما بالإرادة نصنع المعجزات”   .

الأستاذ حشاني  زغيدي





الاثنين، 24 أغسطس 2020

الأسرة الصالحة قوام المجتمع

الأسرة الصالحة قوام المجتمع 
 
يحصر الكثير من الأباء  دورهم   في  اطعام العيال و كسوتهم، يحصر  دورهم  في تأمين القوت لهم، وسد رمق الجوع  ،  و هو واجب شرعي و قانوني  .
إذا حصرنا أدوار الأباء في هذا المستوى، فأحسب أن ذلك  أقل الأدوار، أدوار  تشترك  فيها  جميع المخلوقات، فالطيور تطعم و تأمن قوت صغارها،  وكذلك الدواب و الوحوش تفعل ذلك بفعل الغريزة المودعة.
لكن دور الإنسان يرتفي  على تلك الأدوار، فالإنسان مكرم في خلقه، مكرم  بعقله،  فهو  كلف بمهام  أعلى و أرقى  ، مهام  تربوية اتجاه أبنائه و صغاره.
مكلف   بتكوين  الأسرة   بالزواج.
هذه الأسرة التي تحقق   في دوحتها  الرحمة و المودة  ، تلك الأسرة الي  تتقاسم فيها  الأعباء التكاليف، أسرة ترعى   تنشئة الأبناء من خلال التربية السليمة.
تلك التربية التي تشكل الحصن  المانع للأبناء.
و في كنف تلك  الأسرة يتعلم الأبناء الأدب و حسن المعاملة، يتعلم الصغار الصدق  في القول و العمل، يتعلم الصغار خلق الوفاء بالوعود، فينسأ  الولد أبعد عن الخيانة، يتعلم الصغير في الأسرة  صون  الأمانات، و حفظ العهود،  يتعلم الصغير في الأسرة الصدق في القول، يقول الحق و لو على نفسه، ينفر من الكذب و لو كان في مصلحته.
يتعلم الطفل في كنف الأسرة حب العمل ، فيتدرب  في الأسرة خدمة نفسه، و تنظيم شؤونه الخاصة  الاستفادة من وقته، يتدرب على خدمة غير و رعاية مصالحهم  ، يتدرب على نظافة مكانه الذي يجلس فيه  و الملعقة التي يأكل بها، و يتعلم كيف يطوي فراشه ،و يحفظ ملابسه  ، كل تلك الأمور يتعلمها الصغير من أمه و أبيه في تلك الأسرة ، يتعلمها من خلال الاقتداء و التأسي بالنموذج السليم.
إن دور الأباء يرتقي في أهدافه،   ليتجاوز الطعام و الغذاء  ؛ ليرتقي إلى صقل المواهب، و بناء الإنسان الرسالي، صاحب العطاء.
      
ليتنا استمعنا  لرسائل الوحي في  قوله تعالى للأباء و لكل من يشغله مهمة التربية  : " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة "
إن من صميم مهمة الأسرة حماية تلك الثروة البشرية من الضياع و السقوط في الهاوية، حماية الأدمية من السقوط في أوحال الرذائل و الموبيقات و الجرائم ، حماية النفس الإنسانية من الانهيار  الخلقي، حماية الإنسانية من الفساد في الأرض.
إن دور الأسرة و من خلالها  دور الأباء دور محوري في تشكيل بنية المجتمع الصالح   الفاعل المؤثر من خلال المنتج التربوي المثر ؛  من خلال أبنائنا الصالحين، بتلك  النسخ الصالحة في المجتمع .   
إن المجتمع الذي تنخر جسمه الجرائم بكل شكالها؛ سرقة، قتل، اغتصاب، انتحار، رشاوي، تسول، طلاق، عقوق، كل تلك الظواهر السلبية مردها التنشئة الخاطئة. 
نقول حين تهمل الأسرة أدوارها تحل الكوارث، و حين نرعى الأبناء نلبي حاجياتهم التربوية و النفسية، فإننا نحمي شبابنا من السقوط في مستنفع مجهول  ،يكون دمارا للمجتمع، يكون دمارا لمقدرات و دخائر  الأمة.
فأطفالنا هم شباب الغد، هم ثمرة تلك التربية الصالحة، التي قوامها أم صالحة و أب صالح. 
 فلذلك على الأباء و الأمهات  الحرص على لزوم  القدوة الصالحة  في كل الشؤون  حفظا على سلامة تربية الأبناء،  قبل أن تفعل شيئاً ضع هذه الأبيات الراقية نصب عينيك .
يا أيها الرجل المعلِّم غيره  هلا لنفسك كان ذا التعليمُ؟
ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها  فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله  عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

نسأل الله أن يحفظ أسرنا  و أولادنا  أجمعين  .

الأستاذ حشاني زغيدي. 

الاثنين، 3 أغسطس 2020

أي وطنية نريد؟

أي  وطنية نريد  ؟    
أحيانا  يتاجر بعض الناس بالوطنية يحسبونها  قميصا أو  إزارا،  إذا شاءوا لبسوه و إذا رغبوا عنه خلعوه،  بئس   العشرة   هذه  ! .
 إن الوطنية  الحقة  عطاء،  و إن الوطنية في فهمنا  ولاء  .
  إن الوطنية حب فطري يولد بمجرد أن تلامس الرحى تربة الوطن،  فهو  هبة ممنوحة من السماء،  يشترك فيها الجميع، يشترك في حبها  الميسور و الفقير،و يشترك في حبها  الكبير و الصغير،كما يشترك في حبها  ابن البادية و ابن المدينة، فهم في حبها  سواء.
إن  حب الوطن لا تستطيع شراؤه من الدكاكين أو اسبيرات   ، كما يفعل اليوم  تجار الوطنية  المزيفون  ، إن الوطنية في قاموسنا ماسة ثمينة لا تباع في الدكاكين، أو الأسواق المزيفة.
إن الوطنية الحقة  شعور و انتماء  ، و هي  بذل و عطاء  .
أما وطنية النهب و السلب و الارتقاء على رؤوس الأشهاد بتباهي و الاستعلاء  ، فهو شطط و خروج صريح من باحة الوطنية.
ولله در أحمد شوقي كيف يختصر المعاني حين يصف الحب الحقيقي للأوطان يقول :-
وللأوطــــان في دم كـل حرٍ
يدُ سلفت ودين مستحــــــقٌّ
  و يتواصل جمال حب الأوطان  في نظم الشعراء، وقد وجدت  أبياتا غاية في الجمال  لابن الرومي الشاعر العباسي الشهير 
قصيدته هذه التي تخللتها أبيات عظيمة في حب الوطن  يقول في مطلعها : 

ولــــي وطــــنٌ آلــيـــت  ألا أبـيــعَــهُو  ألاّ أرى غـيـري لــه الـدهـرَ مالـكـا
عهْـدتُ بـه شــرخَ الشـبـابِ ونعـمـةً كنعمـةِ قــومٍ أصبـحـوا فــي ظِلالـكـا
فـقــد ألـفَـتْـهُ الـنـفـسُ حـتَّــى كـأنــهلهـا جسـدٌ إن بــانَ غــودِرْتُ هالـكـا
وحـبَّــب أوطـــانَ الــرجــالِ إلـيـهــمُ مـــآربُ قـضَّـاهـا الـشـبـابُ هـنـالـكـا
إذا ذكــــروا أوطـانَـهُــم ذكَّـرتـهـمُـوعُـهـودَ الصـبـا فيـهـا فحـنّـوا لذلـكـا
إن الوطنية التي نألفها،  هي حب و حنين لقطعة من القلب،  لها حق الرعاية و الدفاع و الحماية. 
إن الوطنية التي نألفها وطنية يتآلف فيها النسيج المجتمعي في رحاب الوطن،  فيتشكل منهم درع واق،  و سياج حام  . 
إن الوطنية التي نألفها وطنية تجمع المفاصل،  فتكون فيها الأعضاء متجانسة،  لا يرقى جنس عن جنس،  و لا يستعلي عضو عن عضو،  فالجميع في ذلك الوطن سواء. لا يستأثر فيها القوي بالمكاسب،  فالجميع يشعر في تلك القطعة بالكرامة و الحرية  . 
إن الوطنية التي نريدها  وطنية جامعة،  يشعر الجميع فيها بالإخاء،  يشعر الجميع فيها بالآمان   . 
إن الوطنية التي نحلم بها أن يشعر المرء أنه حر طليق،  يبحر في سماء الوطن،  فلا يشعر بالخوف و الغربة و الاحتقار. 
إن الوطنية التي نعنيها واحة ظليلة يشعر الجميع فيها بالراحة و الأنس،  يشعر الجميع فيها بالسكينة  . 
الأستاذ حشاني زغيدي  

الخميس، 30 يوليو 2020

العيد بعيون الأمل

العيد بعيون الأمل  

       نقولها   بلغة اليقين،، كلما انحصر وباء الحقد و الكراهية و الخصومات  و الغل و  الحقرة،  فإن معظم الأوبئة ستختفي،  لأن الطهارة دائما تنصر على العلل و البلاءات  . 
         
       فها هي فرصة العيد أقبلت فلنشرع الأبواب للحب و التغافر  و المسامحة،  و لنشرع  الأبواب للتلاقي على الخير،  فنرسم الإبتسامات الصادقة في القلوب قبل الوجوه،  فنعقد العزم على ترميم العلاقات  التي باتت تشكو  الوهن و الضعف  ،  فالعيد أحبابي فرصة لرسم  الأمل المفقود في النفوس ،   فالعيد فرصة لبعث الحياة في ظلال الإيجابية،  الايجابية التي  تبعث النشاط في النفوس التي فضلت العزلة و الخوف  و الهروب السلبي..

         إن الإيجابية التي نريدها  تظل ملاصقة ملازمة لشجرة الحياة،  لأن الإيجابية  ،  هي الشجرة الظليلة المورقة المثمرة،  فالعيد بنظرتنا  يسكن الألم،  و يبعث في النفوس الحائرة  شارات الأمل  ،  فالعيد  يرسم طريق  الخلاص  ، الذي يكون   بالعطاء  ،  يكون بحب الخير  ، يكون بالسير في الدروب  . 

         فالعيد فرصة  تملأ  البيوت  بالسعادة، تجعل     من بيوتنا جنة ساحرة،  فالعيد  يجعل   البيوت منبعث للراحة ،  فيجعل  في  كل ركن من أركانه  مشروع حياة  . 
 إن العيد يرصد تلك النزعات السلبية،  بل يكبلها  بالأغلال،  ليفسح المجال للنفوس السعيدة  لتكتشف الخير المدفون  المخفي.،  فالعيد فرصة لاكتشاف  النور،  لاكتشاف  الجمال المحجوب عن العيون  .

          إن العيد  فرصة  لطرد الهواجس السلبية،  فنجعل من   المرض طهارة، و من التعب في كسب الرزق جهاد،  إن العيد في فهمنا  فرصة لنجدد المواعيد لنرسم مستقبلنا المشرق،  في ظلال طاعة الله ،  نقبل على الصلاة و الدعاء،  نقبل على المشاريع،  نرعى مشاريع  الخير المنتوعة ،  نفتح أبوابها المغلقة، نفتح أبوابها التي تنتظر روادها    فالعيد يدعونا  لنجدد العهد  لعيشة السعداء.

 الأستاذ حشاني زغيدي

الاثنين، 29 يونيو 2020

فاعلية الفرد في المجتمع المتمدن

فاعلية  الفرد في المجتمع المتمدن    

كلما حاولنا فك ّ ألغاز في الحياة، وجدنا أنفسنا أقل إدراكا لأسرارنا، و نحن نرى اليوم  العالم يعيش في تسارع رهيب، تقلصت فيه المسافات، فأصبح  قرية صغيرة، تفككت فيه أوصال  احتكار المعرفة  أو المعلومة، و مع هذا الانفتاح ظل البعض أسير أفكار بالية، لا تتجاوز أمتار حدود غرفته أو حيّه الذي يقطنه، و العالم حوله يعج حركة و يقظة و عطاء.
فهل يمكن  العيش في أسْرٍ  ضيق الأفق و العالم  حولنا رحب؟ 
و هل يمكننا العيش مع ذهنيات تجاوزها الزمن بالسنين الضوئية؟ 
أتخيل أن العقلاء لا يرهنون أنفسهم في سراديب مغيبة، و النور حولهم  يملأ الأفق.

• إن الفرق كبير بين فكر مجتمع  القبيلة  أو العرش  أو العائلة  و بين فكر مجتمع المدينة  فرق شاسع ،   فالمجتمع الأول   يبني  الجماعة على حساب الفرد و لو كان متعلما  أو مثقفا أو كان إطارا    ، فإن ذلك الفضاء لا يوفر للفئة  المستنيرة المكان، فيظل  الفرد  يعيش التهميش  ، و تظل مساحة حرية الرأي مخنوقة، و يظل  الفرد عاجزا أن يعبر عن نفسه، أو أن يعبر عن طموحاته  المشروعة  ،  فذلك الفضاء يخنق الأنفاس لا   يستطيع فيه المرء  أن يشم نسمات الحرية،   ، فيظل  عاجزا أن يعبر عن نفسه  ،  و  يكون الفرد في تلك البيئة  نسخة طبق الأصل للزعيم الملهم  الملفوف بعمامة  القبيلة أو العرش أو العائلة المكونة من مجموعة من الأشباه المتناسقة؛    أفراد أسد على غيرهم،   ضعيفة ههمهم   أمام بعضها البعض  . 
إن المجتمع   المنشود أتخيله مجتمع  يبنى على  الفرد القوي بما تحمله كلمة القوة من معاني، فهو فرد مثقف واع، متحصن بالأخلاق، يدرك حاجيات مجتمعه، يتفاعل مع مكونات مجتمعه، ليس نشازا، و ليس عنصريا، فرد يميل للتعاون، يقبل النصح و التوجيه   ، يميل للتعايش، يتفاعل بإيجابية في الظروف الصعبة، يثمن الإجماع  ، يعبر  عن نفسه بكل حرية   يملك رأيه   وقراره. فهو ذلك   الفرد العصبة  القوية مع أمثاله  ،  و بمثل هؤلاء  تتشكل الجماعة القوية المتماسكة المتجانسة، إن ذلك ، هو  الحلم المنشود  .
    إن الحلم الذي ننشده،  أن تكون لنا قوى حية  تصوغ المجتمع    على أسس متينة قوية   ، قوامها الحق و العدل و القوة،  مجتمع تحكمه    الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية وغيرها  من الفعاليات المؤثرة،  يشكل هذا  البنيان العاصم  للدولة و الأمة  ،  و هذه النظم  هي التي تحكم اليوم العالم المتقدم   ،  و ما يسمى  بنظام مؤسسات المجتمع المدني.
فكم نحن بحاجة ليتغير نمط تفكيرنا السلبي، فينصب اهتمامنا نحو الفرد الصالح القوي .

و بنفس  الإهتمام يكون   للأسرة  نصيبها من   الرعاية  ، لأن الأسرة  الرسالية  المتفاعلة  مع  قيم الأمة و أصالتها، فالأسرة هي قوام المجتمع الصالح.
إن   الأسرة في المجمتع  هي التي تربي الأفراد على الفضائل،  و هي التي توفر أجواء  الحرية، يمارس الفرد حقه طليعي  دون الإضرار بحقوق الآخرين، و في الأسرة  تنسج   لأواصر الإجتماعية  القوية بين أفرادها ، فتنصهر تلك العلائق في كنف الأسرة  فتزهر  بالتعاون و التكافل. التآزر و المؤخاة.   

إن القيم الحضارية   التي. تنشدها  في مجتمعنا  جوهرها  الفكر المتمدن  الذي  يقوده المفكرون والمتعلمون والناشطون في حقوق الإنسان ونظافة البيئة ومساعدة المرضى وكل ما يتعلق ببناء المجتمعات ورقيها وتطورها، أما مجتمع القبيلة فان مشكلتها  تكمن في انه لايزال يقودها  الأميون وأنصاف المتعلمين وأعداء الرأي المتعدد في ظل غياب تام للمتعلم والمثقف وصاحب الرأي المستنير مما يجعل مجتمع الغير متمدن  يخسر قوة جماعته وتكافلها فيما يضر  أكثر مما ينفعها ويجعلها دائما تعيش في الماضي ولا تسير في ركب الحضارة الذي لا يتوقف .
إن المجتمع الغير متمدن  يتفاخر بالعصبية و الولاء الأعمى  ،  فتعجز تلك المجتمعات أن تحقق بتلك العصبية  نصرا حضاريا  تظل عاجزة  أن تصنع  يقظة، أو أن تبني  حقا إنسانيا بسيطا، لأن الجهل المسيطر على عقول قادة ذلك الوسط  يجعلهم يقدسون الألم والقيد خوفا من رؤية أشعة الحرية التي يعتقدون أنها سوف تكشف جهلهم وضعفهم  أو تخوفا من زوال تلك الحقوق المكتسبة وهميا ،أو تفقدهم مجد الأباء المسلوب، و هو وهم زائف  . إن ما  يظنونه مجدا يملكونه كونهم لايزالون قادة على بعض قطعان من ينتمون إلى سلطانهم    ، بهذا السلوك لا تبنى الجماعة. المتماسكة بهشاشة البنيان  على حساب الفرد القوي.
 بينما ذلك التماسك المزعوم  لا يعدو أن يكون سوى نسيج لعلاقات وهنة؛  كانعكاس لخوف لدى كل فرد ضعيف وليس دليلا على قوة جماعية أو حزبية تمثل مجتمعا من أفراد أسوياء وأقوياء. 
و في الأخير أوجه  كلامي لكل  مثقف واع له بصمته في المجتمع  ،   نريد أن تكون لنا مدرسة رائدة  و ملعب حي و مكتبة ثرية ،  و دار تجمع الشباب   و منتزه يروح فيه الروح بعد التعب  و مسبح  ينعش البدن في هذا الحر الذي لا يطاق  و لنا عيادات متخصصة  مجهزة تتكفل بمرضانا ،  نعم أتمناها في حيي،  في بلدتي في بلديتي في ولايتي،  في ربوع وطني الحبيب. أظن أن كل فرد واع  يعي ما أقول  . 
المثقفون  مثلكم و مثلي يقتلهم احتكار الحقائق،  عن نفسي لا أرضى أن أكون  معول  هدم  يستغل،    و أنا حر أملك حريتي،  لا أريد رهن نفسي عند أناس تجمعهم الأنانية،  يرفضك لأنك مثقف،  و لو تجاوزت الحدود لا أشعلوا  الأطر المطاطية. 
أقول هذا و أنا على عتبات الستين لا يخفيني أحد،  أصرخ بأعلى صوتي أريد حريتي،  أريد الخير لأهلي و وطني و أمتي ،  لا أريد مناصب  جوفاء لأكون زعيم  قبيلة.  يكفيني و يكفي    أن أكون إنسانا يحب الخير لنفسه و أهله و أبناء بلدته و وطنه و أمته .

الأستاذ حشاني زغيدي

السبت، 20 يونيو 2020

شوق و اشتياق

#خواطر_الزمان  :   

حنين و اشتياق  

كتبت خاطرتي منذ مدة، و لكن الشوق حملني لأعيد أنفاسها من جديد،  فجميعنا  يحن  لذكرى أصحاب و أصدقاء حالت  بيننا  و بينهم الظروف، حين  عزّ  اللقاء، و ظل الحنين  لتلك الأيام المنسية موصول،  يعيد شريط  أحداثها  المسجل  في  الذاكرة  ،  لعلنا نسلي به الروح  ،  نسترجع  الذكرى،  نبعث  الأمل،  نجدد  إشراقة الحياة   في النفوس الظمأى لأيام زمان  .
فكتبت خاطرتي  التي تحمل  بشرى اللقاء لعهد المودة  السابق  . 

           في أحيان كثيرة  ما نردد أمثالا من تراثنا الثقافي  المسجى بالحكم  و المواعظ  في أيام الحاجة و الملمات ،  نذكر أمثالا حين تحزبنا الشدائد، فيذكر المرء  أحبابه  ، يذكر المرء إخوانه  ، فهل يذكرني أحبابي  ؟! و  هل يذكرون أيامي الجميلة  بينهم؟! ،  هل يذكرني أحبابي حين كنا نجتمع  على خوان  واحد على الحسر؟!   
  .و هل يذكر أحبابي  تلك الجلسات،  حين كنا في الحلق نسبح و نذكر  ؟!   و هل يذكر   أحبابي  بكاءنا  حين تعبر على الأمة نسمات شدة  و الملمات ؟!  و هل يذكر أحبابي  أسمرانا و نحن نغني للأخوة ،  نغني للوطن،  نغني لفلسطين  ؟! 
 هل سيذكرني أحبابي حين كنا نردد  أجمل الأشعار في خرجاتنا بين  أطراف الأنهار  ،و بين سفوح الجبال، و في شواطيء البحار.

أخي أنت لي دفقة من حنان
أخي أنت لي نفحة من أمان 
وآمال قلبي ومشعل دربي 
وأنت ضياء المدى والزمان

و هل ستذكرني أحبابي في جلسات التربية حين كنتم  تعلمونني  أن أخوتنا دين  و أنتم  تتلون  الأيات و الأحاديث  ؟! 
أذكر  كل تلك النفحات العابرة  و حالنا لا يسر القريب ناهيك عن البعيد، أذكر تلك الذكريات مع الألم   .
سأذكر أحبابي و لو حالت بيننا أسوار  ، نعم سأذكرهم لأن  الحر لا ينسى وداد ساعة، فكيف بالذي جمعته بأحبابه  عقود من العمر.
فهل سيذكرني أحبابي في   الليلة الظلماء  في ليلة  افتقدنا   فيها بعضنا؟!   
 ما كتبت هذه الخواطر المتجلية  إلا   لقيمة أحبابي في قلبي،   أن الشخص الغائب  يذكر أحبابه  في ساعة الحاجة الماسة إليهم ، لأنّ   الأخوة  تجبر   الكسر؛  فتجمع   الأجزاء  بعضها بعضا.   .

تظل  الأخوة   الحقيقية  كنزنا  الحقيقي، الذي نتغنى به،   فهي رأس مالنا الذي نتاجر   به  في أسواق الخير   ،   فأخوك هو سندك  و هو  ظهرك الذي يحميك،  و هو دخرك الذي    يكون معك  أيام ضيقك  قبل أيام  فرحك، هو ساعدك  الذي  تحتاجه في أيام الشدة و الضيق    .

و أختم عاطفتي بهذه الأبيات التي لها  قصتها   المسجلة   .

وقع بن الرومي في  الأسر كتب قصيدته  التي تعد  من   أجمل الشعر  العربي و  التي  
قال  فيها:

أسِرْتُ وما صَحْبي بعُزْلٍ لَدى الوَغى،

ولا فَـرَســـــــــــــــــــــــــــــي مُـهْـــــــــــــرٌ، ولا رَبُّـــهُ غُـمْــرُ

ولـكـنْ إذا حُــمَّ القَـضـاءُ عـلــى امـــرئٍ

فـلـيْـــــــــــــــسَ لَــــهُ بَــــرٌّ يَـقـيــــــــــــــــــــــــــهِ، ولا بَــحْــــــــــــــــرُ

وقـال أُصَيْحابـي: الفِـرارُ أو الـرَّدى؟

فقـلـــــتُ: هـمـا أمــرانِ، أحْلاهُـمـا مُــرُّ

سَيَـذْكُـرُنـي قـومــي إذا جَــــدَّ جِــدُّهُــمْ،

وفـــي اللّـيـلـةِ الظَّـلْـمـاءِ يُـفْـتَـقَـدُ الــبَــدْر

الأستاذ حشاني زغيدي

الجمعة، 19 يونيو 2020

كيف نقوي روابطنا الاجتماعية؟

#تأملات_تربوية    :

  كيف نقوي روابطنا الاجتماعية؟

في الكثير ندعي أننا نعرف الناس و نعرف طباعهم و لكن تلك التعارفات هي مجرد لقاء عابر،  لقاء برتوكولي، و لكن التعارف الحقيفي شيء ٱخر غير  لقاءات  المجاملات  ،  قد يصدق وصف ذلك التعارف،  بتعارف المخطوبين،  فالجميع يتزين بألوان هلامية،  يفضحها أول لقاء محّكي،   و أصدق علاقة بين الشريكين،  تبدأ مع يوميات الزواج،  و العيش في كنف البيت الواحد،  و مع تقاسم الأعباء، حينها فقط  تظهر لنا حقيقة تلك العلاقة  .  فأحكامنا القبلية في التعارف غير مؤسسة،  و لا تستند لركائز التعارف الحقيقي .
فإن أصدق العلاقات هي التي تنشأ من خلال تباذل المصالح، و تباذل الخدمات،   فالتاجر أعرف الناس بطبائع الناس،  فهو يميز الوفي من الغذّار ،  يعرف المماطل من الحريص،  و حكمه في العلاقة مبني على معاملات واقعية   .

إن هذه العلاقة يفرض أن تحكمها  دعائم و أركان  تسند  هذه الرابطة :
أولها  :  تعارف يتجاوز الأسماء و الألقاب،  تعارف  تكون فيه صفحة أحوالنا الشخصية بكل تفاصيلها مبينة  ،  فيعرف أحدنا  طبائع المرء الذي اخترنا أن نصاحبه،  فنعرفه عند الرضا و الغصب،  نعرفه في ضيقه و أوقات فرحه  .
ثانيها :   تفاهم  بين طرفي هذه العلاقة، حيث   يسود بين الطرفين احترام متباذل، تتناغم فيه وجهات النظر  دون  أن يكون لأحد الأطراف  السيطرة و التحكم و احتكار وجهات النظر،  كما لا يكون الاختلاف  في وجهات النظر   دافعا للفرقة أو الخصومة، و قد وجدنا الكثير من الروابط تنفك و تفصل لأتفه الأسباب، لأنها علاقات غير محصنة، و قد حفظنا أجمل الأمثال الشعبية التي صاغتها التجربة الإنسانية  ( إن لم تكن معي فأنت أخي)  .
ثالثها:  التكافل أقوى الوسائل الداعمة  ،  فالروابط  التي يتوثق  عقدها بقوة، نجدها  يغذيها بعد اجتماعي تكافلي، مبني على  التعاون و المشاركة  في الخدمات  الحياتية ،  كالمشاركة في الأفراح و الأتراح، و النوائب و الملمات، فندخل السرور  و البهجة مع من تقاسمنا معه  هذه الرابطة الإنسانية أو الإيمانية  ،  التي  تحمل معانيها هذه الأبيات الشعرية  الراقية في مضمونها  :

صديقك الحق من كان معك.
و من يضر نفسه لينفعك.
و من إذا ريب الزمان صدعك.
شتت فيك شمله ليجمعك

لهذا ليس من المعقول أن نقول بلسان الحال هذا صديقي و هذا صاحبي، هذا نعرفه أعز المعرفة
و ما هذا التعارف و هذه الصحبة إلا معرفة عابرة سطحية  ،  لا يحق أن تبنى عليها أحكام الصحبة و الصداقة

جاء في  الخبر ذكره بمعناه الحكيم الترمذي في أدب النفس فقال: وما جاء عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن عاصم بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه:
( أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد  ).

الأستاذ حشاني زغيدي

الأربعاء، 17 يونيو 2020

رصد العيون

#خاطرة      :  

رصد العيون   

هي مجرد تأمل واعي  لأحوالنا   ، التي قد تعني كل واحد منا، فرصد العيون و تتتبع العورات أصبح حرفة البطالين  المشغولين بحياة الأخرين، و هي أزمة أخلاقية حقيقية  وجب علاجها   ، لأن المسلم  يشعله  هموم أمته و أحوال نفسه، أما قضايا الناس  الخاصة فلا تهمه و لا تعنيه .
كتبت  خاطرتي فقلت: 
 أجلس وحدي في حجري الذي أختاره قدري،  أرصد الأحداث 
أكتبها بمداد سحري،  خوفا من  الطيف الذي يرصدني،  يقلد حركاتي،  يتسمع نبضاتي،  يتابع   حركات خفقاتي،  يتسمع نبضات قلبي،   نعم اخترت قلمي السحري، حتى لا تعدم طيف خواطري،  التي تشكو،  تتبع   عوراتي المستورة ،   كنت أحسب أن فراقي قد يداوي الجراح،  قد يردم الأكداس،  و لكن...   مع هذا الفراق ظل  الرصد يتابعني.،     يلاحقني كظلي  الذي لا يفارقني،  ما زال يكيل لي التهم،  مازال يحملني    خراب غرناطة و ضياع إشبيليا،  رغم طول الفراق،  مازلت أنني ملاحق  متابع    ،  ترصدني عيون المخبر،   كم أحببت التخفي و الانزواء. ليس خوفا من قدري،  و لكن خوفا من لذغ  العقارب و الحيات السامة  ،    كنت أحسب أن أيامي و أحلامي  تخصني،  و لكن وجدت من يشاركني   المبيت في زوايا بيتي،  حتى و لو اخترت العراء،   أو العيش في الأدغال،  فسهامهم  تظل تلاحقني   اعتقادا أنني جزء من التركة الموروثة. 
رغم أحلامي الصغيرة التي رسمتها منذ الصغر،   أن أعيش حرا طليقا،   أحلق في السماء،  أشم عطر الحياة الساحرة،  أبني كوخي من جدوع النخل  و سعف الجريد،  يكفيني أن  أغمض عيناي فأرى النور داخلي،  يشع بالأنوار الهادية. 
 أريد أحلام البسطاء  و الكثير يريد أن يحيا بعيدا عن الأضواء.،  فالأنوار الكاشفة يؤذي  العيون المرهفة،  المأسورة بحب الأنوار الهادئة  السحرية،   لأن الهدوء نعمة مفقودة  ،   كنت دائما أقول إن سحر الحياة   أن تصادق ذاتك  ، أن تصاحب الروح النقية  ، التي تشكو ضعفها و هوانها  ،   تعشق الخير المدفون في النفوس الطيبة، التي  ترفعت  عن رصد الهفوات و تتبع العورات  ، ليتي تعلمت من ضعفي أن نفسي  تحتاج العلاج  ،فأعكف  في زوايا حجري  أحلم و أتأمل  .

الأستاذ حشاني زغيدي

الأحد، 14 يونيو 2020

الإسلام و معيار الصلاح

#تأملات_تربوية: 

الإسلام و معيار الصلاح

لست أدري ما أصاب العرب!  مازالوا على عهدهم،  يعيشون بأوهام الماضي البائد،  يعيشون على رسم موروث الأباء كأني بهم  ورثوا أمجاد الماضي التليد،   لا ينفك أحدهم  يتغنى كان أبي،  و رثت  شرف أبي،  ورثت  شرف الأكرمين. إنها عقدة الماضي تتجدد   ،  كلما أردنا أن نغير جلدنا العفن  ، أخرجوا لنا من مخزونهم  الأغنيات الماجنة.

إن الأباء الصالحين  لم يورثوا أبناءهم  دينارا أو درهم، لم يورثوهم القصور و الدور، كما أنهم لم يورثوهم رقاب الناس و استعباد الناس، إن الأباء الصالحين ورثوا أبناءهم الأدب و الأخلاق، و رثوهم العلم و الفضائل، و رثوهم الذوذ عن الحياض و الدفاع عن القيم  .

يقول الإمام  علي  كرم الله وجهه  : "خير ما ورث الآباء الابناء الأدب"  إن الأباء الصالحين لم يورثوا أبناءهم  التعالي و الكبر و المكابرة على الخلق، و لم يورثوهم  النيل من  قيم الأمة و مبادئها     ،و لم يورثوا احتقار شعائر الإسلام  و الانتقاص من قدر   ورث السلف الصالح  
إن الأباء الصالحين ورثوا أبناءهم  المكارم الجليلة، التي تحمل الخير و الهدي و الصلاح للدنيا، تحمل رصيدا يتجدد  ، رصيد موصول بالنفع الدائم  ، أتمثل ذلك الخير في أقوال مأثورة دونها الشعر و الأدب   .
يقول الشاعر:

ورثنَا المجدَ عنْ آباءِ صدقٍ
أسَأنَا في ديارِهِمُ الصّنِيعَا

إذا الحَسَبُ الرّفِيعُ تَوَاكَلَتْهُ
بُناة ُ السّوءِ أوشكَ أنْ يضيعَ 

و هذا حالنا اليوم أصبحنا  نورّث صلاح الأباء للأبناء العاقين الأبناء المتمردين عن كل قيمة صنعها الأباء الفضلاء  ، إن معيار صلاح الأبناء واحد لا يختلف فيه العقلاء، معيار  له مؤشرات قيمية محددة  ، معيار نستلهمه من المنهج الصحيح  ، إنه معيار الصلاح،    فالقريب من الأباء الصالحين القريب إلى منهج الصلاح،  لأن الأصل المفاضلة بالخيرية و ليس غيرها   ، فإن شد الأبناء عن منهج الصلاح  و ابتعدوا عن القيم و المباديء الصالحة، فلا ينفعهم صلاح أبائهم، و لا رتب أبائهم و لا جهاد أبائهم و لا علم أبائهم  ، لأن عمل الأبناء غير صالح  .
و أحسب أن من كان مستنا فليقتدي بمحمد صلى الله عليه وسلم     و من كان متبعا فليكن هديه الحبيب  ، و الرسول أجلى لنا الغبار  و أبان لنا الحق في المسألة بأن الذي يريد الحق عليه أن يشتري نفسه، لأن الحبيب لا يغني عن عشيرته و أحسابه و أبنائه و عمومته  .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قَالَ : ( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) رواه البخاري (2753) ومسلم (206)

ولم نقف في أي من روايات الحديث على التصريح بالشفاعة ، ولكن معناها داخل ضمن الحديث : كما يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" في قوله : ( لا أغني شيئا ) إضمار : إلا إن أذن الله لي بالشفاعة " انتهى.
" فتح الباري " (8/502)

نسأل الله أن يردنا إلى الحق البين، فنحمل رسالة البشائر فننطلق بها  في سماء الدنيا ننشر خيرها، نحمل نفعها للبشرية، نحمل الخير و نحن نقتدي بالصالحين العاملين الثابتين على الحق، نرجو رحمة ربنا و مغفرته، نرجو جنته و توابه.

الأستاذ حشاني زغيدي

الأربعاء، 10 يونيو 2020

للجزائر هوية و انتماء

#إبراء_ذمة_لوطني :


#للجزائر_هوية_و_انتماء


إذا أراد الله فضح عبد،  أجرى على لسانه المخازي  ،  و أظهر الله له خفايا الخبث و المكر  دون أن يدري.

الحمد لله أن كشف الله عورتهم على الأشهاد  .

واحد يظهر عداءه لتوابث الأمة فيريد تعرية الدستور من كل صلة بمظاهر الهوية الوطنية،متهما الشعب الجزائري بعدم  النضج و بلوع سن التمييز.

وواحد يفتخر أنه لا يسمح أن تكتب البسملة في مذكرات تخرج طلابنا .


و واحد يرى أن السجود لله في الأرض إذلالا و احتقارا،  و  يستمر الفضح   للدسائس و المكائد حتى يتبرأ الصغير و الكبير و الشيخ و الشباب و المرأة و  الرجل من هذه الحثلات الأدمية. و أخرى ترى أن الولي في الزواج انتقاص من قدر المرأة  و اهدار لحريتها   ، فأباحت لنفسها أن تزوج بناتنا زواجا كنسيا بعيدا عن قيم و أصالة المرأة المسلمة  .

و هناك من يرى في قانون الأسرة   المستمد من الشريعة  قانونا ظلاميا، يجب إلغاءه و استبذاله بقوانين فرنسا العجوز.

هؤلاء شذاذ الأفاق الذين  اسهموا مع الغلاة اشعال فتنة أكلت الأخضر و اليابس  ،  تطرفت مواقفهم المسجلة  ضد قانون الرحمة، و ثم  قانون المصالحة الوطنية  الذي  أطفأ الفتنة بين الجزائريين  .

إن هؤلاء لم يحجبوا موافقهم المعادية ضد كل صلة بالهوية  ، و ضد ارتباط بقيم الأصالة،  فموقفهم من الراية الوطنية واضح و معروف  و من اللغة العربية أوضح   ، هؤلاء لا يرضيهم  سوى مسخ   هويتنا و   استناخ نموذج غريب   مستغرب  ثقافيا  متصل بالضفة  الغربية   ، هؤلاء  مرتبطون روحيا بباريس و لكن الأحرار يرتبطون  بالعورة الوثقى  ، يرتبطون بباديس و ما يمثله من قيم و أصالة   .


لكل هذا وجب   على الأحرار أن  يرددوها  في بوضوح و جلاء نحن أبناء باديس و لسنا أبناء باريس،  نحن أبناء المساجد و لسنا أبناء الدير و كنائس ، وجب أن نرددها عالية مدوية،   نرددها بوضوح   نحن أبناء  عميروش  و لسنا أبناء بيجار و لاكوست ،  وجب أن نرددها بوضوح نحن نستلهم الروح من قيم ثورتنا المجيدة و بيانها الخالد الموثق بدماء الشهداء على المشككين أن يقرأوا  البيان  بوضوح و أن  يقرأوا هدف ثورتنا الخالدة   ، فإن الذين سطروا برنامجها  واعون  مدركون  لمعالم المستقبل فكان البرنامج واضح في غير غموض أو لبس  و كان الهدف الأول واضحا  لا غبار عليه يفهمه البسطاء ناهيك عن المتعلمين


الهدف:   الاستقلال الوطني بواسطة:


1 ـ إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.


و الهدف يخرص ألسنة أبناء فرنسا و يلجم غطرستهم.


و قبل اندلاع ثورتنا نظم   رائد نهضتنا  قصيدته   التي حددت منظومة الفهم  ،  و سطرت  معالم  تلك الثورة الثقافية،  و التي على جيلنا  اليوم  أن يقرأها و يفهم مضامين  قيم الشعب الجزائري  و هويته  ،  إن تلك  القصيدة رسمت محددات  المستقبل المنشود لشعبنا و وطننا، يقول في أبياتها:


شعب الجزائر مسلم.*🌤*  و إلى العروبة ينتسب


من قال حاد عن اصله.*🌤*أو قال مات فقد كذب


أو رام إدماجا له  **🌤* رام المحال من الطلب


يا نشء أنت رجاؤنا  *🌤*  وبك الصباح قد اقترب


خذ للحياة سلاحها   *🌤*  وخض الخطوب و لا تهب


وارفع منار العدل و الـ *🌤* إحسان واصدم من غصب


واقلع جذور الخائــنيـن. *🌤*  فمنهم كل العطب


و أذق نفوس الظالمين.*🌤* السم يمزج بالرهب


واهزز نفوس الجامدين *🌤*   فربما حي الخشب


من كان يبغي ودنا.  *🌤*   فعلى الكرامة و الرحب


أو كان يبغي ذلنا *🌤* فله المهانة و الحرب


هذا نظام حياتنا *🌤* بالنور خط و باللهب


حتى يعود لقومنا *🌤* من مجدهم ما قد ذهب


هذا لكم عهدي *🌤*    حتى أوسد في الترب


فإذا هلكت فصيحتي *🌤* تحيا الجزائر و العرب


الأستاذ حشاني زغيدي

الخميس، 4 يونيو 2020

الهمس الحزين

#تأملات_تربوية :

#من_دفاتر_الذكريات: 

 الهمس الحزين 
 

همس في أذني، 
بصوته الرخيم ، 
يكلمني بنبرات، 
تحمل همسا رقيقا،  
تحمل أدبا.،  
تحمل ألما غائرا،
همس تجمله  كلمات  عذبة  مرسلة ، 
رغم حزن الكلمات؛ 
التي تخرج مجروحة، 
من ثغره ،  تحمل ألما مدفونا لفراق من يحب  .
كانت  تلك الهمسات تصل شغاف قلبي، فتحركه. و تصل مسامعي، فتحرك نبضات قلبي   .
و تصل  جفون  عيني فتسكبها دموعا حزينة.
و تحرك وجداني؛   فيعيد له شريط أيامي المورقة مع أبي   .
فكل همسة  كانت تصنع في نفسي ألما و فرحة  .
أي نعم  كانت تصنع في نفسي ألم فراق و بعاد  
و معها كانت   تصنع فرحتي،  تعيد   الحنين و لو في الخيال  .
يكفي تلك الهمسة أنها  تذكرني طيف أبي،وداد أبي .

كانت  تلك الهمسات تطرق أبواب قلبي  بأدب، 
فكانت كلماته موزونة مرتبة،،كانت كبلسم يجدد الأنفاس  .

كانت همسته تحكي بألم 
قصة حزينة،  
تحكي يوميات يعيشها كل من غاب عن عينه،  طيف الحنان،  
و غاب عن أحضانه،
ضمة الحبيب الوالد،  
كانت كلماته تعيد رسم  أبي؛  تعيد صوره  المنقوشة في قلبي ❤

تعيد رسم والدي الذي غادرنا،  منذ سنين، 
كانت  كلمات صاحبي المهموسة،  تحرك  ألمي الغائر،
تعيد  سجل ذكرياتي الماضية،  ترسم   أياما   جميلة، 
  كان الوالد  صانع أفراحها ،
  حيث كانت لنا في كل جولة حكاية جميلة،  في كل جلسة قصة حب مرصعة  . 
  كنت أطرق السمع للحن تلك الهمسات  المسروقة،
  التي حاواها نبض قلب حزين.، 
يحن لأيام مضت. مع والدي الحبيب ..

طيب الله روحا حواها  قبر والدي . طيب الله    مكانا  ضم   جسد أبي الطاهر. 

الأستاذ حشاني زغيدي

ٖ.. ٖ

الأربعاء، 3 يونيو 2020

لقائي بتلميذي الصغير

#تأملات_تربوية :

من_دفاتر_الذكريات  

لقائي بتلميذي الصغير 

          كنت عائدا إلى بيتي بعد صلاة الجمعة في مسجد حيينا، فإذا بنسمةطيبة تجذبك  بلطف و أدب  ،    و إذا بالنسمة  الطيبة صغيري الذي كان  تلميذا في قسمي  يرافق ابنه    ،  فيحضنُك،  و يضمّك ،  يقابلك  بمسحاتٍ  روحيّةٍ  ،  تنسجمُ  مع روحِ الجمعةِ    و خطبةِ  الجمعةِ ،  بين هذه و تلك،  تحملُك تلكَ  النسمةُ  لتعودَ  بكَ للوراءِ ،  تعودُ  بكَ  لجدران  القسمِ ،  حيثُ  حياةُ  التعليمِ  و التّعلمِ  ،في تلك المسحة نستحضرُ  حياتَنا الصفيةِ  و جمالياتِها، نستحضر أيام الصفاء  و الطهر،  فنعيد ذكريات لاصقة  ، نستحضر أياما   مثل عبق الياسمين و ريح البنفسج، تلك الأيام الممزوجة بالعواطف الدافئة  ، المملوءة    المملوءة   بالوسائج و المودات،  نظرتُ  إليهِ و تأملته  فإذا ملامحُه الأولَى  لمْ  تتغيرْ ، هو،  هو،  غيرَ   طولٍ  و وزنٍ ، تجاذبْنا  أطرفَ  الأحاجِي و قصصَ  الطفولةِ  الممتعةِ ، و حكايات الزمن الجميل،  فكان  الفتي الصغير يقلب دفاتر الأيام  يستخرج منها كل لحظة جميلة  عشناها سويا في قسمنا الجميل  ،   حتَّى أوقفَنِي قربَ  بابِ بيتِي،فتمنيت ألا تقطع حبال ذلك اللقاء ،  و لكن....لكل بداية نهاية  ،  فودعتُه بدعاءٍ  مرسلٍ ، مع توسلِي ألا ينسانِي  بدعائِه بظهرِ  الغيبِ      .

الأستاذ حشاني زغيدي

الأحد، 31 مايو 2020

في رحاب اللقاء التربوي

#تأملات_تربوية: 

في رحاب اللقاء التربوي 

سعدت اليوم بزيارة حملت في نفسي الكثير من المعاني، و رسمت في  روحي نشاطا  و غبطة  ،  في جلسة تربوية صرفة،  عاد بي شيخي الفاضل،  و صدبقي المحترم الأستاذ علي بقار مفتش التعليم الابتدائي للبيداغوجيا إلى الزمن الجميل. في جلسة حسبتها جلسة استرخاء و ترويح  ،  في زيارة تواصلية أسعدني بها،  رغم أن الشيخ كثيرا ما يخصني بزياراته   حين كنت   مديرا في مدرستي التي قضيت فيها أجمل أوقاتي،   فكانت المدرسة تحتضن  نشاطات النداوات التربوية للمقاطعات التربوية    كان يحضرها  خيرة الإطارات التربوية   من المفتشين و الأساتذة المكونين،  فكانت بحق أياما لا  تمحى  من الذاكرة. 
و استمر التواصل بعد تقاعدي  و ظل الشيخ الفاضل كعهده يخصني باللقاء و الزيارة.؛  المفيد أن لقاءنا اليوم كان   له طعم اللقاء  التربوي، فيه نعيش حياة المعلمين، نعيش حياة جمال لقاء المشرف التربوي بأساتذته، نعيش فيه حياة الفريق التربوي، نستذكر  جمال  العطاء لأجيال تركت بصمتها من الشيوخ الذين زرعوا فينا  حب التربية و حب التعليم.
في اللقاء استذكرنا  جمال أيام كنا نتدرب على فنون التربية والتعليم  في محاضننا التي كان يرافقنا فيها أسماء كبيرة،فكانت ندواتنا و ملتقياتنا    حياض تكوين راقية، لا تفرق  تعليم المدرجات و المعاهد  ، فكنا نتفاعل مع تلك  الوصلات التربوية، نلاحظ و نقييم أعمالنا   ، فيشعر الواحد منا  أن خبرته قد نمت و أن موارده العلمية قد تعمقت، و أن روح العمل في الميدان قد تحقق.
  في زيارة اليوم  عاد بي طيف الوصال  لزيارة الزملاء  و لقاءات الزملاء التي حرمنا منها، أصبح الواحد منا منقطع عن زملائه الذين قضى معهم سنين العمر، فعز للقاء، و أصبح التواصل شحيح رغم توفر إمكانات التواصل.
و في هذا اللقاء استذكرنا حاجة    المشرفين التربويين للرصيد الروحي و السمت الخلقي، لأن زيارة المشرف تحمل معها روح التربية و أخلاق التربية، فالمشرف في المنظومة حلقة مهمة في تعزيز الثقة بين  الأساتذة  ،  و تحفيزهم لصناعة الإبداع في الفصل التربوي.
في هذا اللقاء التواصلي المثمر عدنا بالذاكرة لتستحضر  أن الفريق التربوي الفاعل، فهو ذاك الذي يحمل هما، يحمل هدفا، يحمل مشروعا،حرصه تحقيق الأهداف التربوية المسطرة و ضمن خطة مرسومة بين الشركاء المشرف التربوي، مدير المؤسسة، و الأساتذة، و قد ترتقي للمتعلم ليكون شريكا  ، يجمع هؤلاء الشركاء تعاون   دائب و  مستمر.
في اللقاء كنت أصغي لكل جديد  فكان سرد شيخي لواقع التربية و الأفاق المنتظرة  فكان  يعزز ثقته بالجيل الجديد من الأساتذة الذين بدأت ثمارهم تظهر جلية في الميدان،  من خلال ورشات التكوين للتعليم النشط  .
و كان ختام اللقاء مسك حيث كانت محصلة اللقاء فوائد مركزة  جاءت عفوية تناغمت مع الظرف الذي يعيشه  العالم  بسبب وباء كورونا  ، و الذي عطل العملية التربوية برمتها، و حال دون  اجراء الإمتحانات الإشهادية  .  

🌤 على  رجال التربية أن بتسلحوا بثقافة العصر  .

  🌤حاجة رجال التعليم   للتحكم  في تكنولوجيا الإعلام و الاتصال    .
🌤ضرورة   صناعة غرف تعليمية  لكل الأطوار و تشمل كل الأنشطة التعليمية يؤطرها فريق كفؤ تحت إشراف  .

🌤 ضرورة دعم  الخلية البيدغوجية التي أنشأتها مديرات التربية عبر صفحات التواصل.
🌤حاجتنا  لتوثيق الصلة بين الأجيال  فللمتقاعدين حقهم في المشاركة  في دعم المنظومة التربوية  برصيد التجارب المكتسبة طيلة عقود من التكوين المستمر و العمل الميداني لسنوات كبيرة.
و في الأخير أشكر. أجدد شكري  لشيخي و أستاذي المربي المثابر،  الذي منحني هذه الفرصة لأسجل هذه   الأفكار المدونة في مقالي     أتمنى من قلبي  أن تتكرر و تتجدد مثل هذه اللقاءات التي تحمل في كنهها المجاملة و اللفتة التربوية  القيمة..
بارك الله عمرك أستاذي و شيخي في طاعته، ونسأل الله أن  يمدكم   بالعون و التوفيق و السداد في مهامكم.

الأستاذ حشاني زغيدي

الجمعة، 22 مايو 2020

لا نبطل خيرا بدأناه

#تأملات_رمصانية:  : 
 لا نبطل خيرا بدأناه 

سيتولى رمضان،  و تنهي أيامه العامرة بالطاعات   ،   فرمضان روضة ساحرة، عامرة بالخيرات، 
كانت أيامه و لياليه، خلوة للزهاد،  ليالي يحلّيها القيام و الركوع و السّجود، أما نهاره فسياحة في دروب  الخيرات،  سيمضي رمضان و يترك لنا براكاته، سيترك لنا نفحاته  .
خِلت رمضان كالأشجار مثمرة مليئة بالغلال الشهية اللذيدة، و خلته   بحر  واسع  فيه  من الأرزاق أوفرها، و أجودها..
سيمضي رمضان و سنحن لتلك الشحنة  الإيجابية، تلك الشحنة الدافعة لفعل المعروف، قد يكون المعروف قليلا، قد يكون المعروف ضيئلا، لكن الذي لا نشك فيه أن الأجر فيه كبير، أجر موازينه مثقلة.

و نتساءل ...
هل يمكن أن نتراجع للوراء، نعود لسوابق أيام محت أثارها بركة رمضان.
أحسب أن العاقل منا لا يبطل أياما كانت كلها طاعة  ،و  لا يبطل  أعمالا طيبة   مباركة.
   فالعاقل منا لا يمكن أن يبطل مشروع خير بدأناه في شهر صيام.

و نتساءل....
  هل نتراجع للوارء، فنحبس  تلك الصدقات التي كانتو تحمل للفقراء و المساكين في السر و العلن؟! 
و يزيد التساؤل...
و هل نتراجع عن  أورادا دأبنا على الحفاظ عليها في الصباح و المساء؟
!
و يترى التساؤل و يتواصل...

و هل نتراجع على صلة أرحامنا بعد أن واصلناها طيلة شهر كامل  ، واصل  بر   مع الوالدين و الإخوان و الأحبة ؟! 
و نتساءل...
و هل يا ترى نترك مجالس العلم  و الاستماع لدروس نافعة كما كنا ، 
حيث  كانت   تغشانا الملائكة و تحوطنا الرحمة  ؟! 
و نتواصل التساؤل..
  و كم و كم من الأعمال الطيبة التي  دربنا أنفسنا على فعلها في شهر الصيام.

أحسب أن العاقل  ..

لن  يتراجع  إلى الوراء 
و لن  يبطل خيرا   بدأناه 

أحسب أن العاقل....
لن يترك أيام رمضان تمر دون فائدة 
نعم سنعقد   العزم جميعا  أن تكون أيامنا كلها رمضان  .
سنعقد العزم  ألن نترك أيام  تمر خلفنا دون أن نضرب لنا مواعيد انطلاق في دروب الخيرات، نتسابق على الخير الذي كنا نفعله في رمضان. 
سنعقد العزم ألا  نترك أيامه   تمر إلا و قد شددنا الحزام  أن    نلتفي و  رمضان المقبل يستبشر بثباتنا على العهد الذي قطعناه،  أن  تكون أيامنا كلها رمضان  . 

الأستاذ حشاني زغيدي

الخميس، 21 مايو 2020

العيد نفحات روحية

#تأملات_رمضانية   : 

العيد نفحات روحية 

       للعيد نفحات روحية خاصة،  فهو موعد تصفو فيه الروح و تطهر،   فالعيد يميزه التكبير  المطلق دبر كل صلاة  في أيامه ،  فتصغر في تلك الأيام كل العوامل، الأهل،  و المال، و الجاه،  و السلطان، كل تلك العوامل تضمحل و تصغر، لأن نداء التكبير صوت  لا يعلو أمامه صوت.  فهو صوت مهيمن ،  فيكون الله هو وحده  المهيمن،  و في أيامه،  يجدد المؤمن  روح عقيدته بذلك التكبير العلوي ،   فيتحرر  الولاء له وحده  .  يقول الله  عز وجل : ( واذكروا الله في أيام معدودات ) البقرة / 203   . 

         إن  كلمة التكبير تجعل المؤمن يتفاعل،  يقبل و يدبر،   يصلي و يسجد،  تجعل المؤمن، يسبح في الغدو  و الآصال،  يسيح في أبواب الطاعات،  يبر  ،  و يرحم،  و يتصدق،  و يعفو،  و يحسن،  و يحلم،  يتفاعل المؤمن مع كل  تكبير ،  فتصغر الدنيا الفانية في عيونه،  يتفاعل المؤمن مع  التكبير  ،  فتصغر نفسه الأمارة بالسوء،  فينكسر جناحها   العصي ،   و يتفاعل التكبير مع المؤمن،  فيصلح شأنه،  فيعيد المعوج للسكة الصحيحة،  إنه سحر التكبير حين  يتفاعل مع النفس،  يتفاغل مع الروح. 
  مع هذه النفحات  فعيد هذا العام مختلف عن سابقه  ، لم نعش الأفراح كما عشنا، و لم  نشارك التكبير مع جموع المصلين كما كنا ، و  لم نسعد لنصلي خلف الإمام كما كنا ، و لم نشنف أسماعنا بتكبيرات خطبة العيد و مواعظها، و لكن مع هذا الحرمان  فإننا حتما سنعيش الفرحة كما شاء الله، سنغتسل و نتطيب و نلبس  أجمل اللباس،  و سنأكل و نبتهج  و نظهر الفرحة بتمام الصوم كما شاء الله  ، و معها سنكبر و نسبح جماعةمع أهل البيت  نردد الدعاء المأثور ( الله أكبر،  الله أكبر،  لا إله إلا الله،  والله أكبر الله،   ولله الحمد)
و مع إشراقة الشمس نصلي ركعتين  تتواصل  فيها الأرواح مع خالقها شكرا لله على تمام النعمة  .
و لا نحرم أنفسنا تهنئة العيد و تباذل  التهاني و التبريكات مع أهل البيت  و سنجتهد قدر المستطاع  أن نتواصل مع أرحامنا  و أقاربنا في حدود ظرف الجائحة  ، مع احترام شىروط السلامة    ،  و للأصدقاء لقاء مع شبكات التواصل الإجتماعي أو الهاتف فكل ذلك يفي الغرض.

           و كعادتي دوما أفضل تحلية و  تعطير  ختام النص بتغريدة الشعراء، و من أشعار شاعر له مكانته في الكلمة، إنه الشاعر العربي المسلم عبد الرحمان العشماوي، اخترت  لكم قصيدته الموسومة بعنوان: 

قال لي : ماالعيد؟
أوْضِح صورة العيد لكي أعرِفَ رسْمَه
قلت : إن العيد أزهارٌ وأطيافٌ ونغمة
إنه ذاكرةُ الفجر التي لم تختزن ظُلْمه
إنه النّصُ الذي ثبّتَ فيه الحبُّ ختمه
إنه العيد، خيوطٌ من شعاعِ الحب،
عِقْدٌ أتقنَ الإحسان نظمه

قال لي : أسهبتَ في الوصف...
فقلت: العيد إشراقات بسمة
إنه أنت، فهل أدركت فهمه؟

تقبل الله منا و منكم صالح الأعمال و كل عام و أنتم بألف خير و عافية  .

الأستاذ حشاني زغيدي

الثلاثاء، 12 مايو 2020

أحلام اليقظة في رمضان

#تأملات_رمضانية: أحلام اليقظة في رمضان 

تخيلت يوما أنني أعتلي منبر الإمام خطيبا، فأخذتني رهبة المنبر  و جلاله، تخيلت نفسي أحمل عصا والعصا  لها حكمة عند الإئمة  ، و لكن قلت علي أن أخالف المألوف،  فتكون لي عصا للتأديب، أحمل بها    أؤلئك   الذين يمرون على القبور فلا يتعظون، و الذين  تقع على رؤوسهم المصائب فلا يتأسون،  
فقلت   :  اليوم سوف أخاطبكم دون سجع منمق، أخاطبكم دون ترانيم رنانة،  أخاطبكم دون دموع و تغيير نبرة،  أخاطبكم دون حركات ملتوية، و لا تدوير رأس   
تخيلت نفسي أسرد وقائع حالنا، أفرغ كأسي المشحون.

تخيلت نفسي دون ورقتي المعهودة، ذات المقالات المطولة.  
الخطبة الأولى:  
فقلت بعد الحمد و التهليل و التسبيح. 
ليس منا من بات شبعان و جاره جوعان.
ليس منا  يطفف الكيل و الميزان،

ليس منا من يهجر الأرحام و الأقارب   لأتفه  الأسباب.
ليس منا الفاجر في الخصومة 
و ليس منا العاق لواديه  .
و ليس منا من يتولى أمانات الناس فيخونها.
و ليس منا من يمشي بالنميمة  و الغيبة.
و ليس منا من يسرق وقت العمل، فيبخس حق صنعته.
و ليس منا من يهجر  الأحباب و الأصحاب  لأيام و أيام.
ثم جلست أدعو لأمتي و وطني أسأل الله أن يزيح البلاء و يذهب الأمراض و الأسقام 
الخطبة الثانية: 
حمدت الله و أثنيت عليه و صليت على الحبيب المصطفى 
ثم قلت:  

إن السعيد من للجار و الضيف محسن.
إن السعيد من يتمسح على رأس بتيم.
إن السعيد  من يجمع الكلمة،و يحفظ اللمة.

إن السعيد ذاك الذي طال عمره و حسن عمله.
إن السعيد  من يصرف وقته و ماله و جهاده في طاعة الله.
إن السعيد الذي يتصدق و لا يمن.، و لا يفضح الفقير و المحتاج بصدقته.
إن السعيد من يوصي نفسه بتقوى  في السر و العلن.
  
. إن السعيد من بدعو للمكارم و الفضائل،يطىق بابها في لهف، يصيد الحسنات، كما يتصيد الحمام الحب 
إن السعيد من بعرف للصحبة حقها، فيورد نهرها.
في غمرة هذا السرد الجميل، إذا بنداء رخيم يدعوني، أن أفق فقد حان وقت السحور،  فتمنيت أن يطيل حلمي  ،  فأكمل خطبتي و أصلي بالناس!  لكن المنادي  حبس أنفاس تلك الكلمات، و تلك الخطبة المرسلة التي القيت دون ورقة.
فما أجمل أحلام اليقظة  ! 

الأستاذ حشاني زغيدي

الخميس، 7 مايو 2020

الكرامة الإنسانية في الإسلام

#تأملات_رمضانية::  الكرامة الإنسانية في الإسلام 

اليوم نحاول أن نضع أيدينا على موضوع حساس و في غاية الأهمية،  نحاول أن نجس نبض من خلال  المراصد   ، نسلط الضوء  على مشاهد عاشتها الإنسانية في ظل هدي الإسلام ، نحاول أن  نعيش مع بعض المواقف،  نعيش مع بعض السلوكات اللانسانية، التي  تظهر أهمية الموضوع من حيث أن   الشرائع السماوية و الرسالة الخاتمة تحديدا  و حتى الدساتير الوضعية  في بعدها الإنساني أولته أهمية كبرى، لأن كرامة الإنسان مقدسة،    فكرامة   الإنسان أعلى الله شأنها فخصها بالتكريم  

( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الأية  (70)﴾
من (سورة الإسراء)
  تأتي الأية تقطع كل جدل، تصرف الأنظار  إلى علوية قدر  الإنسان الذي خلقه فسواه، فلا يحق لأي كان أن يمتهن كرامته، و يخفظ شأنه، فالعبودية مرفوضة، و الاستراق مرفوض، و الإحتقار مرفوض، و سياسة العنصرية مرفوضة.
  سأحاول أن ألامس بعض الخطوط في القضبة في إشارات مختصرة مفتاحية   ،فيكون الرصد الأول   لرسالة الإسلام و كيف أسقطت    كبرياء المتجبرين  مرتزقة البشر  ، و يكون الرصد  المجتمع المكي الذي يمثله السادة، و كيف يرسلون أول رسائل التصدي لدعوة الحرية   التي جاءت بها رسالة السماء محملة بالخير و الهدي لرسالة السلام العالمي ،فالسادة في تلك البيئة، يرفضون  أن يسوى السيد بعبده، فخرجت فحسموا أمرهم   لحاصر  أصحاب الرسالة في مهد بدئها ، و كان أقوى رسالة موجهة لرسول الله صلى الله عليه و سلم بخصوص  الصديق أبي بكر رضي الذي كان له اسهام مهم في تحرير العبيد  ، فقد كان بيته  مكان التقاء العبيد و السادة   الله عنه فحواها  هذا النص  
   
  يقول السادة   :- ( يا محمد، مر صاحبك فليصلى في داره، فقد أفسد علينا غلماننا )
لقد هالهم  استقطاب الضعفاء و العبيد الذين هفت نفوسهم  شوقا لاستنشاق عبير الحرية،  استساقوا ليكون لهم كيان مستقل  بعيدا عن أسر الأغلال و حجر الحياة. 
…  فالبشر من حيث الأصل أكفاء،   كان رضي الله عنه  أول من يقدم المثال العملي  لفك أسر العبيد من الرق.  فصدق فيه قول سيدنا عمر الفاروق  رضي الله هنه    ، الذي اذا ذكر أبو بكر رضي الله عنه قال:

" أبو بكر سيدنا وأعتق سيّدنا"..

و لعل من جماليات رسالة الإسلام كبف حضنت الأعراق،و مزجتها برابطة  العبودية لله تعالى وحده ، فيلتقي العرب و العجم و الفرس و الروم و  الأحباش  لتجمعهم  راية التوحيد الموحدة  ، لتجمعهم راية  المؤخاة الربانية  
بقول عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: السبّاق أربعة أنا سابق العرب وسلمان سابق الفرس وبلال سابق الحبشة وصهيب سابق الروم.

و لعل أصدق الكلمات في مقالنا أن أغرد مع الحادي، أنقل أنفاس روح الشاعر  الكبير و الفليسوف  المؤمن  محمد إقبال، شاعر كسر الطوق بأشعاره، نسعد حقا حين نستمع لرقي المعاني المرسلة ، تجسد روح الأخوة التي ترتقي عن كل عرق أو انتماء، أخوة صاغها المولى عز و جل برباط  حبل متين.

يغرد إقبال بنور الوئام

بنور الوئــــام وبشرى  الإخاء
                           نزف إلى المســـلمين النداء
هلموا جميعاً فرب    السماء
                           بتوحيده وحــــــد المسلمين
توحدنا في الصــفوف الصلاة
                           وتجمعنا في الجهـــاد الحياة
إلى الإتحاد دعانـــــــــا الإله
                          لإنشاء دنيا وإعـــــــــــلاء دين
لقد خلد الدين فينا مــــــثالا
                          نزيـــــــــد به إلفة واتـــــــصالا
فآخا صهيباً وآوى بــــــــــلالا
                          ونادى بسلمان في الأقربـين
حياة الأخوة مــــــــجد رفيع
                          وعيش التفرق موت ســـريع
لدين الجماعة نادوا الجميع
                          وعيشوا بــإيمانكم أجمعين

على هذا الأساس على الإنسانية أن تأخذ الدرس  من رسالة كان أسمى غاينا بناء الإنسان، و الحرص على سعادة الإنسان، يكون الفضل في هذه العلاقات  أفربهم صدقا، أقربهم مخافة لله تعالى، يكون فيها الفضل  للرحماء الذين يرحمون الخلق،يكون الفضل فيها لكل إنسان راعى حرمة النفس البشرية  في المعاملة و الرتبة و الجنس يكون مخرجها هذا النداء العمري  (متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمتهم أحرارا).

الأستاذ حشاني زغيدي

الثلاثاء، 5 مايو 2020

مع الله تحلو الحياة

#تأملات _رمضانية:    مع الله تحلو  الحياة 

تأملت حالنا  و نحن نعاصر الحياة، فتعصرنا عصرا، تأخذ منا أشياء و تعطي لنا أشياء،  نمضي في حياتنا فنتعلم من أيامها، دروس الحياة،  دروسا  في الكثير لا نجدها في المدارس و لا الجامعات و لا المعاهد، فتلك التجارب الحياتية،  وليدة مواقف و حوادث،  فيها الحلو و المر، فيها  الأبيض و الأسود، فيها النجاح و الإخفاق،،   في تلك الأحداث و  المواقف  لا تخلو من الطرائف،  لا تخلو من عبر و دروس،  لا تخلو. من  المغامرات و لا تخلو من الخداع،  فيها المغفلون الذين  الذين يسهل خداعهم بدموع خداعة، يسهل خداعهم  بضربة كتف أو حضن مغشوش،  لأن ديدن الحمقى  ، غالبا   تغمرهم العواطف  الملونة بالمساحيق، فيقعون في شراك الخداع المزين  ،  لأن الحمقى لا يحسنون لجم  نزوات العواطف،   لا يفيقون من  سهاد النوم الجميل،  إلا بعد  ،  ضرب  الأجراس،  كالأطفال يستبشرون بنهاية الدوام و الدرس لم ينتهي. 
و في غمرة تلك الحياة فيها الكادحون، الذين (يضربون في الأرض) يكسرون الحجارة، يحملون الأثقال، تبدو على ملامحهم آثار التعب و الإجهاد،لكنهم مقتنعون بنصيبهم، المقسوم ، يأكلون و يدخرون لشدائد الأيام،  رغم تلك القساوة و الشدة إلا أنهم يحسون بآلام الضعفاء، يقتسمون معهم زهيد الوجبات  ، و ذاك دأب البسطاء.
و في الحياة هناك المغمرون بالقفز و اللهو  ، يسرحون و يمرحون، همّ نصيبهم لهو جميل، قد يكون  جلسة قمار أو جلسة لهو  ،  تكون لياليه حمراء، و لكنها حياة مخزية  ،تنهي بأصحابها في الأنفاق المظلمة،  تقابلهم الحياة بثوبها الأسود الحزين،دون معيل أو نصير، و الحقيقة المرة أن الحياة ملأى بأمثال هؤلاء.

و في الحياة أيضا  أصناف و أصناف   ، قد حكى  وصفهم القرآن الكريم في رسم لوحة فنية رائعة في سياق متفرد، يعرض لنا تلك الأصناف، الظالم، و المقتصد، و السابق بالخيرات  ،تلك  أصناف المذكورة تحيا في الحياة  ، و تتفاعل معها في السلب و الإيجاب، لكن  السعيد فيها من يمسك بالكتاب و يحفظ درسه و يعمل  بسننه المشروعة، فتكون حياته كلها مع الله .

قال تعالى :

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾

[سورة فاطر : 32]

فالسعداء ‏لا يقفون في الأعتاب ينذبون الحظ،  فلا  يكدر حياتكم ؛يقبلون على الدنيا يأخذون نصيبها ، و يقبلون على الآخرة يأخذون نصيبها  ، بعيشون الحياة   بعاطفة   الحب والفرح ، يقبلون على الأجر  و المتوبة  ، تعلو  محيّاهم  ابتسامة الأمل.     

  
  الأستاذ حشاني زغيدي

الخميس، 30 أبريل 2020

حاجة الأمة للقدوة الحسنة

#تأملات_رمضانية:  

حاجة الأمة القدوة الحسنة 

        تعلمنا  أن الذي فشل في قيادة نفسه إلى الخير، فإنه أعجر أن يقود غيره إلى الفضائل، و أن الذي   عجز أن يسوس  نفسه  بالتحلية و التربية،   أعجز أن يقود غيره  لسلم الإرتقاء و الرفعة   ، إذا كانت  نفسه الأمارة بالسوء تتحكم في قيادته.

         إن المشكلة اليوم في مجتمعاتنا  ما نفقده غياب القدوة الحسنة؛  لأن  الشاهد في القرآن الكريم   يقول الله  تعالى (  أتأمرون الناس بالبِرِّ وتنسَون أنفسكم)  - البقرة، 44
فلا  يستقيم الأمر و الحال. على ما نرى،    لأن الأصل  في الحياة أن    المحسن قدوة للمقصر، و أن الطائع قدوة للعاصي، و أن المجد قدوة للمقصر الفاشل، و أن العادل المؤثمن قدوة للظالم الخائن   و هكذا دواليك  .
و في هذا نظم  أبو  الأسود الدؤلي   قصيدة حِكمية في نحو أربعين بيتًا، تتناول موضوع القدوة الحسنة :

يأيها الرجلُ المعلّمُ غيرَه

هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ
ونراك تُصلح بالرشاد عقولنا
أبدًا وأنت من الرشاد عديمُ
ابدأ بنفسك فانهَها عن غَيِّها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدَى
بالقول منك، وينفع التعليمُ

و في هذا يرشدنا المولى عز و جل إلى حسن الإقتداء بالنموذج المثالي الجامع لكل مراتب الكمال، النموذج القدوة  
يقول الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، والأسوة هي القدوة، و هي النموذج التطبيقي  الذي على العقلاء اتباعه  للسير في طريق الحق،و اتباع طريق الهداية.  

و توافقا مع الأية الكريمة حين أمر الله رسوله بتبيلغ رسالة الإسلام لقريش أهله مختبرا إياهم  ، لمعرفة  صدق قدوته على قومه  ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أريتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟).
قالوا: نعم؛( ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا)  .

و الإجابة تؤكد أن رسول الله قدوة حسنة بين أهله رغم تكذيبهم رسالته  ، و مع ذلك  يقرون له  الصدق و الأمانة،و حسن الخلق  .

لهذا وجب على المرء  ﺑﺪﺃه  برعاية نفسه،   و تهذيب خلقه،  ليكون نموذجا صالحا بين الناس،   ﻛﺎﻥ بمقدوره قيادة غيره  للنفع العام، و كان  ﺃﻗﺪﺭ زرع الخير بين الناس،  أما إذا  عجز  في  في مهمة ارشاد نفسه ؛  ﻛﺎﻥ ﺑﺈﻫﻤﺎﻝ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﺟﺪﺭ.
ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ اﻟﺤﻜﻤﺎء القدامى حكمة بليغة  ما أحوجنا للأخذ بها   (  ﻣﻦ ﺑﺪﺃ ﺑﺴﻴﺎﺳﺔ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﺩﺭﻙ ﺳﻴﺎﺳﺔ اﻟﻨﺎﺱ)
ﻭﻗﺪ ﻗﻴﻞ ﻓﻲ مأثور  الموعظ و الحكم (  ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻠﻌﺎﻗﻞ ﺃﻥ ﻳﻄﻠﺐ ﻃﺎﻋﺔ ﻏﻴﺮﻩ ﻭﻃﺎﻋﺔ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻤﺘﻨﻌﺔ ﻋﻠﻴﻪ)
ﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻋﺮ
(ﺃﺗﻄﻤﻊ ﺃﻥ ﻳﻄﻴﻌﻚ ﻗﻠﺐ ﺳﻌﺪﻯ ... ﺗﺰﻋﻢ ﺃﻥ ﻗﻠﺒﻚ ﻗﺪ ﻋﺼﺎﻛﺎ) 

فلنحذر الغفلة  ، فنهمل   إصلاح أنفسنا   ،  ثم نخرج للناس نقدم الدروس و المواعظ  ،  و نحن أحوج ما نكون لتلك الدروس و تلك المواعظﻭﺭﺑﻤﺎ ﺣﺴﻦ، و لا يغرنا حسن  ﻇﻦ اﻹﻧﺴﺎﻥ بنا  فنغفل   ﺃﺧﻼﻗنا  .

و في الختام أسوق لكم هذه الفائدة التربوية ليتعلم منها المدرسون و الأساتذة و المربون أهمية القدوة في حياة الأمة  ، و أن حاجتنا للقدوة ملحة فلنقرأها بتمعن و فقه  

أوصى أحد السلف معلم ولده قائلاً: "لتكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت".

نسأل الله أن ينفعني و أحبابي  بما كتبت،  و أن تكون لي صدقة جارية و   لمن رباني و أحسن  تربتبي. 

الأستاذ حشاني زغيدي

الأربعاء، 29 أبريل 2020

صناعة دافعية النجاح

تأملات_رمضانية  :  صناعة دافعية النجاح 
          إن الأحلام التي ترافقنا،   و التي تعيش  معنا،  ترافقنا منذ نعومة أظافرنا،  فنحلم أن نكون  أفضل الناس،  و أن نكون الأكثر حضورا بين الناس،  نحلم أننا نملك مالا يملكه الغير،  نحلم أننا الأرقى بين الجميع  في كل  الأشياء. 

         و أرى، و يرى كل حالم  أن تلك الأحلام غير محرمة،  أن نيل تحصيل  المرء ذاك  الكمال البشري  أمر محمود  ،  بل أن يرسم المرء في خياله سلم أهداف كبيرة  يسعى  لتحقيقها  ، أمنيات مشروعة   ، لأن رسم تلك الأحلام  شيء إيجابي و  هو، لا يتعارض  مع  الفطرة  الإنسانية  المودوعة فينا. 
  
         لو نظرنا في عالم الحقائق لوجدنا أن   الكثير من الأمنيات كانت مجرد خواطر  و أحلام،  لكن أصحابها أدركوا بلوغها،  و نالوا فرحة تحقيقها  .
       
        و حين نتأمل موروثنا الحضاري، نقرأ صفحات تاريخها نجد أن الكثير من الأحلام، و التي كانت دربا  من الخيال، عاشها  أصحابها حقيقة مملومسة.
فما الذي جعل تلك الأحلام من المشاريع و البرامج حقيقة قائمة  

قرأت في سير العظماء فوجدت قصة امرأة  مسلمة، امرأة كانت تحمل حلما جميلا، كان الحلم يراودها،  فسارت به دون تردد و دون  خوف، حملت حلمها الجميل  ليرافق سيد الإنام، 

و لتربى أنس بن مالك رضي الله عنه على يد الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم تربية خاصة و عمره عشر سنين  ،   تحمله الأم ليأخد العلم   الأدب من المعين الصافي  ، و يسعد بخدمته  ويتربى على يديه، فقالت له: "هذا أنس غلامٌ يخدمك"، فقَبِله، ثم تشر الأم على الرسول صلى الله عليه و سلم، بأن ابنها يجيد الكتابة و القراءة، فكان ذلك الفتى  أكثر الصحابة رواية  للحديث و كان أكثر نقلا للسنة، يكفي أنه عند موته    حزن كثير من المسلمين لوفاته، وقال مؤرق العجلي: لما مات أنس بن مالك: "ذهب اليوم نصف العلم".

        و لنا في التاريخ قصص مشابهة لمشاهير حققوا أحلامهم   أذكر قصة  محمد الفاتح القائد العثماني الفاتح للقسطنطنية  ، ينشأ الفتى  محبًّا للعلماء، يعشق مجالسهم  ،  فتعلم منهم بعض الأحاديث النبوية، التي تحفزه  على فاتح القسطنطينية، ومن ذلك قول رسول الله r: "لتفتحن القسطنطينية على يد رجل، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش.. ولهذا كان الفاتح يطمح في أن يكون هو المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و تكون الأم هي المحفزة على تحقيق حلم ابنها، فتدفعه دفعا نحو هدفه المحدد، و تمضي الأيام و يكبر حلم الشاب الخلوق  المتعلق بحلمه الكبير، فيكون هو السلطان الفاتح، 
ليت أطفالنا يقرأون قصص هؤلاء المشاهير ، و ليت شبابنا  اليوم يقرأ هذه القصص الرائعة المحفزة للهمم  . و ليت الأباء أيضا يغرسون مثل هذه الأحلام الجميلة في عقول الأبناء. فيأخذون بأيديهم لطريق الرفعة، إن مثل هذه القصص  ، ترسم   للأجيال طريق  النجاحات المتواصلة ،  صنعها  عزم فتي و طاقة خلاقة مبدعة.

قد قيل في الأثر  ( الحكمة ضالة المؤمن) أن  اقتطف لكم كلمات رائعة لرواد التربية في عصرنا 

"  إن حقائق اليوم هي أحلام الأمس ..........وأحلام اليوم هي حقائق الغـــد " 
(( إن كلماتنا ستبقى ميتة أعــراسا من الشموع ... لا حـــراك فيها
حتى إذا انتفضنا وعشنا من أجلها
إنتفضت حية وعاشت بين الأحياء
والأحـــياء لا يتبنون الأموات))
الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله

الأستاذ حشاني زغيدي