إن حاجة الأمة للقدوة العملية حاجة ماسة فهي التي تعكس النموذج التطبيقي للإسلام الذي يجلي ظواهر الفساد و الانحلال المستشري في جسم الأمة لتصحح المفاهيم المغلوطة التي عششت في عقول البعض جهلا بمبادئ الإسلام الحنيف وصل في بعض الأحيان إلى نكران المعلوم بالضرورة و فريق اختزل الإسلام في مفاهيم محددة لا تتجاوز الوضوء و الغسل و الطهارة أو سنن الفطرة دون احتقار هذه العبادات وفريق حصر تصور الإسلام في التقرب إلى الله بالدماء في غير الأضحية بنحر الأبرياء و في غير جهاد يدفع به العدوان أو يحمى به الأوطان و الإسلام في شموله غير هذا . رغم هذه الأرزاء التي ألمت بالأمة لا تجعلنا نفقد الأمل بالعودة إلى المعين الصافي فإن الأمل معقود بصلاحية المنهج وقد حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه "
رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ثم بالقائد و القدوة و قد حددته الآية الكريمة وقال عز وجل في سورة النور" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْم " ، وقال في سورة الحشر" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا"
إنه حين نتتبع سيرة الإسلام العطرة في صدره الأول نقف عند قامات من الرواحل حملت أعباء الرسالة ومشاق الدعوة في جهاد طويل كلفهم النفس والمال والجهد إن هذه الرواحل كان لها من الأثر الإيجابي نقل الهداية في أبهى صورها فقد كانوا الرجال الذين تبثوا الأمة عند المحن وكانوا الرجال الذين حموا الصفوف عند الفتن. فإن أمثال أبي بكر الصديق صاحب الغار وعمر بن الخطاب الفاروق وعثمان بن عفان ذا النورين وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وآل ياسر والخباب وبلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص على صحابة رسول الله أفضل الرضوان فكان لكل صحابي من صحابة رسول الله دور مهم في رسالة الإسلام فكانوا الرواحل والقدوات والمصابيح المنيرة وإن الزمان لا يخلو في عصر من العصور من هذه القامات من القدوات الرائدة التي استكملت المشوار وحملت المشعل. وصف النبي -صلى الله عليه وسلم -حال ركب الدعاة والقادة في كل عصر وزمان.
عَن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لاَ يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَة ً". قالَ أبُو عيسى: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. " وهي صورة بليغة في غاية الإيجاز تصف حال الأمة وحاجتها لهذه العملة النادرة فبهذه الكلمات الموجزة البليغة.
لهذا عد ما ينفق من الجهود لتخريج الوعاظ في التوجيه والإرشاد مجهود ليس في الطريق الصحيح فالأمة بحاجة لقدوات ورواحل تحمل المنهاج فتنير الطريق بما تحمله هذه القدوات من أثر عملي أثر يلمسه السالك فيقتدي بالهدى فالبشر لا تقتدي بالخطب الرنانة او الدموع التي تصدرها دموع الوعاظ أو الأصوات المرصعة بجزيل الألفاظ. أحسب أن كل هذا لا يفي الغرض، أن الأمة بحاجة لرجل تلمس فيه صدق الامتثال والاقتداء تريده نموذجا عمليا يتحرك بالهدى فالرسل عليهم السلام لم يكونوا وعاظا بل كانوا قدوات تحمل المشروع بين الناس﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) سورة الأحزاب
فمتى تبذل الجهود وتصرف الأوقات لبعث رواحل وقدوات تبعث الأمل المسروق في النفوس إن الأمة تتطلع لقدوات مثلها الأعلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحباته من بعده وصالح سلف الأمة قدوات تعيد السكة للطريق الصحيح فتقطع الطريق على المنتحلين والدجالين والروبضاء والغلاة والمتظرفين يكون منهجا يأسر المخالفين فضلا عن الأتباع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق