رحلة إلى أعماق النفس
في جلسة صفاء مع أحد الأحباب، نتجاذب أطراف الحديث حول حياتنا التي نعيشها، جلسنا نستفرغ الهموم و الغموم، نسلي أنفسنا، نروّح عن أنفسنا.
يقول صحابي: كم نحن فاشلون في فن التعامل مع أنفسنا، كم نحن قساة و جفاة، للأسف لا نعرف مداخل السرور، لا نعرف إدارة النفس التي بين جنبينا ، الواحد منا يحسب النفس آلة صماء، نلبي و تستجيب لنا، تنفذ أمورنا بضغط على الأزرار، و هي غير ذلك.
تنهدت تنهيدة طويلة من أعماق نفسي ، ثم قلت: الواحد منا يا صاحبي ، يجهل طرائق النجاح، يجهل طرائق التعامل مع النفس، فنحن عاجزون عن إداراتها بفاعلية .
و النفس كالطفل تحتاج إلى التربية و التنشئة الصالحة، و التعهد بالتحلية و التزكية و الرياضة و الترويض كما نفعل مع صغارنا.
قال صاحبي : و كيف السبيل إلى ذلك؟
قلت: لا يستقيم حال النفس و هي بعيدة عن الله تعالى، و لا يستقيم حال النفس و هي بعيدة عن فطرتها ، فأول الخطوات معها ؛ اجعل النفس تقف عند حدود الله ، ترعى حقوقه، تؤدي فروضه، تقبل على أمواره تتجنب نواهيه، طوع النفس، لتكون حياتها كلها لله، فإن الله يصلح حالها ، و ييسر أمرها ، و يذهب همها ، و يشرح صدرها ،
و الزم التفاؤل في كل أمورك، تشرع لك أبوابها المغلقة ، و تفتح لك مغاليقها ، فاليأس كفر و جحود، ففي تجارب الحياة لنا أمثال شاهدة ؛ فما أكثر من سدّت في وجوههم الأبواب! لكن ، إصرارا داخلي، و شعورا بلذة النجاح و إصرار على مواصلة السير و لو حبوا، دلل الله لهم تلك الصعاب، بتوفيق منه سبحانه، فالله يبلغ القصد، و يتحقق المنى .
قال صاحبي: صدقت، و لكني أرى الكثير ينشد النجاح بالأماني، ينشد الرفعة بأحلام اليقظة.
قلت: إن الله شرع لنا عبادته بالطاعة و العمل الصالح، و أن الفوز بالجنة مرهون بالإيمان و العمل الصالح، و الأمر نفسه في أمور حياتنا الدنياوية .
و لا يكون لنا أعمال صالحة دون أن يكون لنا أهداف مرسومة واضحة ، فيضرب كل إنسان في ميدان تخصصه، و في إطار المواهب و الإمكانات المتاحة له، فينطلق لتحقيق الهدف المرسوم في مواعيد محددة في جدول تشغيله.
و لهذا فأن قيادة النفس و تحفيزها و تفجير مواهبها، لا يكون بالبطالة أو الارتجال، أو التسويف ، أو التنظير و التفيقه، أو باستساخ التحارب ، فالناجحون لهم عقول، و لهم إرادة صلبة مثل الحديد، يعملون ليكون النجاح حليف المبدعين.
فالأمة الجائعة لا يحق لها الرقص أو السير في طريق اللهو و المتع.
و الأمة التي تأكل ما يجلب لها من وراء البحار لا يحق لها أن تصرف المليارات في مهب الريح، تصرفها في مشاريع الترف و البدخ، إن الأمة التي تريد النهوض تحمل النفس على رياضة رفع الأثقال و المارطون الطويل .
طوى صاحبي ختام اللقاء مرددا الحكمة القائلة: " لا نحقق الأعمال بالأمنيات وإنما بالإرادة نصنع المعجزات” .
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق