الأحد، 30 أغسطس 2020

حبس العطاء

حبس العطاء      

            إن حاجتنا لإعادة دراسة الموروث الأدبي الحديث،  و حاجتنا لدراسة الموروث الإنساني ، فنخص  منتج  العمالقة من الأدباء بالدراسة و الوقوف عند خلاصات التجارب حاجة ماسة،  حيث يعتبر ذلك  المخزون الأدبي الثري    ثروة فكرية رائعة  لغنى لها عنها،  فقد حملت   دروسا قيمة  و أحكاما   و فوائد مستفادة  من خبرة الحياة، و قد  صاغوا تلك الفوائد  في نظم شعري أو نثري في غاية الروعة و الجمال  ،  ما أحوجنا  لنستفيد منه.  

و قد وقفت  اليوم أستجلي  خواطر الحكم  مع الشاعر، تغنى بالجمال و الطبيعة، وقفتنا مع   الشاعر المهجري  إيليا أبو ماضي شاعر ترك بصمته و  فوائده  و  حكمة في أشعاره  نستعرض معه بعض صور  بخل   العطاء و حبس النفع و الخير ،  ففطرة الإنسان مجبولة  على فعل الخيرات،    و  الناس في الحياة شركاء في المصالح و المنافع  .

       تناول الشاعر  ظاهرة حبس المنافع و العطاءات في قصة شجرة التينة  الحمقاء ، المستوحاة  من  وحي  خياله  ليقرب لأفهامنا  ضرر البخل خصوصا ؛  إذا  تفشى في المجتمع    ،  إن الشاعر جعل من التينة    الحمقاء   نموذجا  للإنسان  الأناني،  بخيل في  العطاء   . 
 توحشت التينة الأنانية القاتلة،  فأرادت حبس سجاياها و منافعها و،  عطاياها عن المخلوقات   ظنا منها أن  ما خصت به من  الجمال و المواهب،    انفردت به  وحدها دون الخلق،  هذا ظنها الخاطئ ،  و هي  حقيقة   مغيبة عنها،  أن  الحياة التي خلقها الله  تمضي و تستمر،  و لو توقفت  التينة أو غيرها من المخلوقات عن عطائها،  أو حسبت كل مزاياها   عن الخلق  ، فإن سيرورة الحياة ماضية   . 

 و قد  لخص قصتها في  قصيدة جاءت  في صورة تصويرية رائعة، يكفي القاريء  أن يأخذ منها العظات .
يقول في مطلعها: 
وتينة غضة الأفنان باسقة                             قالت لأترابها  والصيف يحتضر
بئس القضاء الذي في الأرض  أوجدني            عندي الجمال وغيري عنده النظر 
لأحبسنَ على نفسي عوارفها                         فلا يبين لها في غيرها اثر
كم ذا اكلَف نفسي فوق طاقتها                       وليس لي بل لغيري الفيء والثمر
لذي الجناح وذي الأظفار بي وطر                 وليس في العيش لي رأي ولا وطر
انَي مفصلة ظلي على جسدي                       فلا يكون به طول ولا قصر
ولست مثمرة إلا على ثقة                           ان ليس يطرقني طير ولا بشر
عاد الربيع الى الدنيا بموكبه                        فازيًنت واكتست بالسندس الشجر
وظلت التينة الحمقاء عارية                        كأنها وتد في الارض او حجر
ولم يطق صاحب البستان رؤيتها                 فاجتثها فهوت في النار تستعر
من ليس يسخو بما تسخو الحياة به               فانه أحمق بالحرص ينتحر

       إن  المرء الخير، النافع لغيره،  مثل شجرة طيبة ، ترسل كل خيراتها ،  فتعطي  ثمارها و أزهارها و ظلها    بلا من ودون انتظار المقابل من أحد ، هكذا هي فطرة  الله سبحانه و تعالى في   الخلائق ،  جبلها   لتعطي و تمدّ   ، تنفق في الليل و النهار ،  في السر و في العلن  ،  فهو مثل الشمعة التي تنير بأنوارها أشعة ذهبية ، تحمل النور و الضياء،  تحرق نفسها لتشع نورا  على غيرها ، هي هكذا دوما  ،  و هكذا  يجب أن يكون الاسان  الصالح   ،  يكون كأمثال تلك الكائنات ، يجود بعطائه و  بجهده و وقته و ماله و فكره يبتغي بكل ذلك  مرضاة الله سبحانه ،    يتلمس بذلك طريق الأجر و المثوبة  طمعا في الجنة ،   عطاء  لإسعاد الأهل و الأقارب و المجتمع و   يرتقي  لإسعاد أمته بل لإسعاد الانسانية  .

       إن الدارس في السنة المطهرة يستلهم  منها قيم العطاء في شتى دروب النفع ، يكفي ان نقف عند هذا الحديث الجامع نستوحي منه  الإشارات و الدلالات الباعثة  لمشروع  يقظة اجتماعية في عالمنا المفكك الأوصال الممزق الأواصر ، يكفي لهذه البشرية التائهة أن تقف عند هذه الروائع  لتسعد ، نقف عندها  الانسانية المحرومة،  لتتلمس  طريق الخلاص   .  و قد لخص الحديث الجامع فضائل الأعمال التي يحبها الله لعباده الأخيار،  ليسعَدوا في مواسم الخير،  و  قد أقبلت و قد أشرعت أبوابها   للمقبلين على الخيرات ليعطي كلا من فضله و مواهبه.

         أخرج  الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا  عز وجل عن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  "  أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.  " والحديث حسنه الألباني -رحمه الله-

الأستاذ حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق