الاثنين، 21 مايو 2018

غربة رمضان في زمن الانحطاط بقلم الأستاذ حشاني زغيدي


           إن  رمضان الكريم الذي ارتضاه  الله لنا غير رمضان الذي ارتضيناه لأنفسنا ، إن رمضان الذي ارتضاه الله لنا شهر فضيل لتقوى و ارتقاء الروح    و صفائها  ، إن  رمضان محطة للتزود  ، و فرصة لشحذ الهمم  ، إن لرمضان مقاصده  و مراميه  المرسومة المحددة  ، مقاصد حددها الله في القرآن الكريم  قي آيات محكمة   ومع الآية الثالثة والثمانين بعد المئة من صورة البقرة  ، ."  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "    
.
       إن القصد الذي من أجله كتب الصيام  على عباده هو تحصيل التقوى  ، تلك الطاقة المحركة  للطاعة  ، تلك الطاقة الكابحة للنزوات و الشهوات  ، تلك الطاقة  الدافعة لفعل الخيرات  ،  تلك الطاقة التي تحرر المؤمن من أسر الدنيا و أغلالها  ، تلك الطاقة التي تستجلي النور و الهداية في رحاب العبودية  ، فالتقوى  جهاز وقاية في قلب  المؤمن  ، تشعره برقابة الله  في كل حركة و سكنة  ،  تلك التقوى التي تولد السكينة و الطمأنينة  و الراحة  فتحرر المؤمن  من  الخوف الذي يسكن بداخله ، فتصغر  تلك العوالم الضاغطة  و تلك القوة المهيمنة  التي استحالت معبودات  في زمن الضعف و القهر ،  تلك التقوى التي تولد التلذذ  بطعم الهداية    ، إنها  اللذة  التي سأل عنها هرقل الصحابي الجليل أبا سفيان رضي الله عنه    كما  روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث هرقل أنه قال لأبي سفيان ومن معه : وسألتك أيرتد أحد ـ أي : من المسلمين ـ سخطة  لدينه ، بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشته القلوب 
.
        حين نعيش تلك الصور العملية التدريبية للرسول القدوة فقد كان  رمضان مدرسة تربوية  في حياة صاحب الرسالة الخاتمة يظهر لنا حقيقة الصيام و المعنى الحقيقي لتلك العبادة  ، فكان قليل الترف  في مائدة  سحوره  و فطره  ،  فكان يكفيه قليل الطعام  ، يقبل على خدمة أهله  ، يعطي الصلاة حقها  ، يقبل على الذكر و الدعاء   و قراءة القرآن  ، يكثر الإنفاق  و الصدقة  ، و مع ذلك   كان الرسول القائد يعد الصحابة  لحمل رسالة الهداية  تدريبا  متكاملا  لامتلاك عناصر القوة المطلوبة  ، تحقيقا قول  الله عز وجل:   ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ .

 فكان رمضان  مفتاحا لسلسلة من الانتصارات  في مسيرة الأمة  الناهضة  بدء بغزوة بدر الكبرى  في السابع عشر من رمضان السنة الثانية للهجرة   و تلتها  فتح مكة في العشرين من رمضان بعد مضي شوط من العمل المتواصل و تحت قيادة الرسول صلى الله عليه و سلم توج  ذلك الإعداد  بالفتح العظيم بفتح  مكة  و قد سماه الله فتحا عظيما  ، فكان للإسلام كلمته في رسم الخريطة في تلك الحقبة من الزمن ، فرمضان في الحقيقة يمثل قلب الأمة النابض بالعطاء ،  فالسجل حافل لا يمكن لمقال مثل هذا أن يسجل كل المحطات المشرقة ،  و لكن يكفي الإشارة  .  من ينسى القادسية  ؟   و ما تحمله القادسية من دلالات  في صراع القوة المهيمنة  . ومن ينسى  فتح الاندلس  معجزة الاسلام الباهرة و الشاهدة  بمعالمها و بصمتها الحضارية  ؟  إن رمضان محطة تستحق  الوقوف عندها طويلا  لاستلهام الدروس  العطائية في البناء  ، فهو مدرسة  نستلهم منها النشاط و  القوة و الحركة لرسم معالم  الانسان  المعطاء المثابر صاحب النفس الطويل ، الانسان المدرك  لغاية وجوده  .   

       إذا أمعنا  النظر لهذا السجل الحافل  و  لهذه  الانتصارات ، سيكون له  تساؤلات  وجيهة    ، كيف يمكن لهذه الموارد البشرية أن تصنع كل هذه الانجازات المبهرة   في شهر جعل منه المسلمون شهرا للراحة و الخمول و النوم  ،  بل جعلنا منه شهر الترف  و اللهو و الساهرات الحمراء الماجنة  في ظل استباحة  الأعداء لأراضي المسلمين  ومقدراتهم  ؟   .إن الرد  على  التساؤلات  قد أشارت إليه الآية الكريمة  التي شرعت الصيام  الآية الثالثة والثمانين بعد المئة من صورة البقرة  ، ."  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "   . فهؤلاء  فهموا ووعوا مقاصد الآية في مشروعية الصيام  فكانت لهم السيادة و الريادة   ، و ستكون لغيرهم الأستاذية إذا حفظوا الدرس و أحسنوا التطبيق 




و الله أكبر و لله الحمد         الجزائر  في 20    / 05    / 2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق