تقرأون آراء أهل القلم حول «جمال الأدب»؛ عبر صحيفة «المغرب الأوسط»؛ العدد رقم 2895 الصادر يوم الأحد 23 جمادى الثانية 1441 هـ الموافق 19 يناير 2019 م؛ الصفحة رقم 20؛ من إعداد جمال بوزيان.
https://elmaghrebelawsat.com/wp-content/uploads/2020/01/sit-dim.pdf
"الـمَغرب الأوسط" ترصد آراء أهل القلم
الجمال في الأدب هو أساس الإبداع الذي يشيد عليه صرحه
يَطرَح مُعِدُّ صفحة "مَراصِد ثقافيَّة" عبْر منبر "الـمَغرب الأوسط" سؤالًا كُلَّ أسبوع على أهْل الفلسفة والفكر والثَّقافة والتَّاريخ والتَّربية والتَّعليم والأدب والتَّرجـمة والنَّشر والإعلام والصِّحافة والاقتصاد والإحصاء والاستشراف والتَّخطيط والسِّياسة والفنِّ والرِّياضة وغيرهم؛ ويَرصد كُلَّ حينٍ آراءهم بـحثًا عن علاجٍ لـمُشكلات وحلولٍ لأزمات ودفعٍ لأخطارَ مُحدِقة في الـمُجتمَع الـجزائريِّ والعربيِّ والأفريقيِّ والإسلاميِّ والعالَميِّ... يَعرض اليومَ الآراء الآتية.
الأستاذ حشاني زغيدي "أديب"
دَور الأدب كبير في الوعي وقد صار وسيلة تحصين للقيم والمعتقدات وسلاحا للدفاع عن حياض الأوطان ومقومات الأمة
الأدب بمفهومه المبسط هو الكلام البليغ الذي يؤثر في نفس القارئ، سواء أكان شعرا أم نثرا، سواء أكان خاطرة أم قصة أم رواية، يعبر عن حالة نفسية أو اجتماعية أو سياسية، وولد مع الإنسان، وتغنى بالجمال، وصف ومدح وهجاء وفخر وغزل وتصوف، وقد تطور هذا المفهوم عبر العصور.
كيْف تَرَى الجَمال في الأدب قديمًا وحديثًا؟
الجمال في بعده الإنساني لا تختلف صوره قديما أو حديثا، لأن الجمال صبغة ربانية أودعها فينا، الكل يدرك الحسن والقبح، والكل يدرك المتعة والحزن، والكل يحب ويكره... تلك العواطف مجبولة فينا، ولا أحد ينفك عنها، كما أن صور الجمال تنجذب إليها النفس طواعية، ولا أحد بإمكانه ستر عواطفه، والمتعة في الحياة تزيد روعتها كلما عشنا الفطرة كما هي دون غلو أو تطرف.
إن الجمال يعيش معنا نلمسه في البحر والنهر والجبل والشلال والأزهار في الحقول، نلمسه في بديع صنعه، يكفي أن الله جميل يحب الجمال، الجمال مظهر من مظاهر الحياة، وهو يسري ويتغلغل في حياتنا، قالها إيليا أبو ماضي وهو يتغنى بالجمال:
ومن بعش بغير جدال لا يرى في الوجود شيئا جميلا.
ولهذا وجدنا المُنتَج الأدبي قديما أو حديثا يمتزج في أغراضه الأدبية، الجميع وصف جمال الحس والروح، والكل أسهم في تلك اللمسة من الإبداع الجمالي في مُنتَج أدبي ثري.
وهلْ كُلُّ ما يُكتَب في الأدبِ أدبٌ؟
لا نستطيع أن نرمي المُنتَج الإنساني للأدب في سلات المهملات، إن الأدب الجميل يوصف بالجمال، وسيء الأدب يوصف بالإساءة، وهو باب العدل، الأدب الذي يتفاعل مع الحياة إيجابا فيعلي القيم بكل أبعادها هو أدب ذو جدوى، لأن الأدب دون لمسة جمالية أو فنية هو ليس بأدب، وأن الأدب الذي يتعرى من القيم الأخلاقية والفضائل، لا يرقى أن يكون أدبا لأن الأدب في منتهاه غرس الفضائل والجمال من خلال البناء الفني واللغوي في المُنتَج الأدبي.
إن الأدب سلاح ذو حدين؛ إما أن يوظف في البناء فيسهم في صناعة الأجيال وارتقائها من خلال ما ينتجه الأدباء فيسهم في ترقية معاني الخير كنشر الفضائل وإبراز قيم الإنسانية الراقية وبعث روح التسامح والتعاون والمؤاخاة وكل القيم الإيجابية.
وقد يكون الأدب وسيلة هدم مدمرة، تحرق الأخضر واليابس فيدمر القيم ويفسخ الأخلاق، وينشر الأحقاد بين البشر بدعاوى الحرية المزيفة مثل التمرد عن القيم والأديان أو كسر الأعراف الموروثة بدعوى الحداثة وحرية الإبداع أو الدعوة للرذائل والانحلال بدعوى الفن والأدب والجمال، وهي دعوى ساقطة مرفوضة.
إن مقصود الأدب هو نقل الحقائق التي نعيشها، والمشاعر التي نحسها والقيم التي نشعر بها فتهزنا تلك الصور فتولد لنا مُنتَجا فنيا بصور الجمال، وهذا النقل الأدبي الذي يظهر في شكل صورة بريشة فنان أو قصيدة في نظم شاعر أو خاطرة بقلم أديب أو قصة قصيرة أو رواية كلها تسهم في البناء الإنساني، لهذا كان للأدب رسالته في الحياة، وكان للأدباء أثرهم في صناعة تلك النهضات التي عرفتها الدنيا.
وكيْف تَصفِ الأدبَ الَّذي لا يُحدِث تَغييرًا فكريًّا في المُجتمَع؟ وما السَّبيل إلى أدبٍ فاعلٍ؟
لا بد أن يكون للأدب رسالة ووظيفة، إن الأدب مدرسة تعليم وتثقيف، ونحن نتعلم من خلال استغلال المُنتَج الأدبي، بالقصة نتعلم، و الصورة الجميلة نتعلم، ونتعلم بالقصيدة، ونتعلم بأي لون من ألوان الإنتاج الأدبي.
ونحن نلحظ اليوم هذا التطور الحاصل بعد ثورة التواصل الاجتماعي من خلال صفحات المنتديات الأدبية التي أصبحت جامعات متخصصة رقت المُنتَج الأدبي، وعملت على توسيع رقعته.
كما أن الأدب أصبح له دَور كبير في الوعي والتبصير، وأصبح وسيلة تحصين للقيم والمعتقدات، وأصبح سلاحا له مفعوله في الدفاع عن حياض الأوطان ومقومات الأمة.
إن الأدب أصبح قضية فلسطين وكل قضية عادلة، وأصبحت العربية المحبوسة في وطنها إحدى قضاياه ،كما أصبح الأدب وسيلة نهضة محفزة للتميز والإبداع في شتى المستويات.
بالثقافة والأدب اليوم أصبح سلاحنا الذي ننهض به من كبوتنا، وهو صفحة التاريخ التي نجدد بها المنسي من تراثنا المدفون، وهو المرآة العاكسة لثقافة كانت مؤثرة عبر العصور، لهذا، الاهتمام يعكس مستوى الأمة الناهضة، إن الأمة الناهضة تشجع الثقافة والمثقفين، وتشجع المواهب وتبني المؤسسات الخادمة للثقافة رغبة منها في بناء صرح ثقافي مزهر.
الأستاذ عبد المجيد بطالي "أديب"
الأدب قادر على ترك بصماته على سلوك المتلقي، وأثره البالغ في نفسيته دليل على فاعليته ونجاحه
بداية، ينبغي أن نلفت النظر إلى ضرورة التمييز بين الجمال في الأدب، وعلم الجمال باعتباره مذهبا أو نظرية فلسفية، تبحث في الجمال ومقاييسه.. وذلك لأن الأدب "عالم يتم تشكيله وفقا لمعايير الإنسان عبر فاعلية تحويلية، متساميا بواسطة فكر الفنان ومشاعره، فهناك تضايف بين المعرفة الفنية ومناشط الإنسان التحويلية الخلاقة... وإذا كان العلم يخلق طبيعة تحيط بنا من الخارج فإن الفن يخلق تلك الطبيعة داخلنا، وهدف الأديب المبدع هو خلق طبيعة ثانية باكتشاف الجديد وارتياد الحياة عقليا وانفعاليا، ولا يتحقق ذلك إلا بفضل واقعية تستشرف آفاق المستقبل وتسبق الحاضر" (إبراهيم فتحي/ معجم المصطلحات الأدبية/ المؤسسة العربية للناشرين/ تونس/ طبعة 1986 صفحة 127).
ويشير المصدر نفسه إلى القول:"... إن ما يميز الرؤية الفنية في الأدب عن كل أشكال المعرفة الأخرى هو محتواها الضخم من الخيال والحدس والغريزة التي تشكلت إنسانيا والدوافع اللاشعورية" صفحة 128).
إن الجمال في الأدب شعره ونثره، هو أساس الإبداع وركيزته التي يشيد عليها صرحه وكيانه.. وهو الضامن لأن يسمى أدبا متفردا ومختلفا تماما عن الكلام العادي سواء تعلق الأمر بقديم الأدب أم بجديده، وذلك لأن الأديب يختار لخطابه الأدبي على المستوى الشكلي، اللغة التي يركب بها المتن، وعلى المستوى الدلالي العميق المضامين والأفكار الجادة.. وفي المستويين كليهما لا بد من حضور قويّ للجمالية.. ولا يُجيز المهتمون بالبحث في جمالية الأدب مثلا، قصيدة شعرية خالية من الجمال الفني المتمثل في الصور البلاغية، والمحسنات البديعية وغيرها.. وليس كل ما يكتب يسمى أدبا إلا بشروطه التي ترفعه إلى مرتبة الأدب...
وفي هذا الصدد، نسوق كلاما لابن خلدون في مقدمته حول علم الأدب جاء فيه:"... إنما المقصود به عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني (المنظوم والمنثور) على أساليب العرب ومناحيهم، ويجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عاليَ الطبقة، وسجع متساوٍ في الإجادة، ومسائل اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة" صفحة 553.
ويمكننا القول إجمالا بأن الأدب هو كل ما يعبر به الأديب عن مناحي الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية والنفسية وغيرها، في شقيه (الشعري والنثري) لكن يحتاج من كاتبه/ الأديب أن يجمّله تجميلا، كي يرقى إلى الأدب وإلا فهو كلام عادي لا أثر لصبغة الأدبية فيه... وبالتالي لا رواء ولا جمال يسمو به نحو التميز وإثارة مشاعر المتلقي ومخيلته.
وأختم هنا برأي جميل للكاتب العملاق مصطفى صادق الرافعي حيث يصف الأديب فيقول:"الأديب إنسان يدله الجمال على نفسه، ليدل غيره عليه.. ويبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة..." (مصطفى صادق الرافعي/ وحي القلم/ الجزء الثاني/ دار المعارف المصرية/ صفحة 216).
فهل يا ترى كل ما يكتب في الأدبِ أدبٌ؟ طبعا لا.. ليس كل ما يكتب في الأدب يطلق عليه صفة الأدب.. ذلك لأن الأدب له طبيعة تختلف عن أي كتابة أخرى قد يعتقد كثير من القراء، أنها هي الأدب.. ومن هنا تتحدد نظرة كل قارئ لما هو مكتوب/ مطبوع أو شفاهي/ مسموع انطلاقا من مفهومه وتصوره الخاص للأدب بأجناسه المختلفة من شعر أو نثر... وإذن لا بد من إدراك المتلقي للأدب، بأن الأدب الذي يتميز بــ (الأدبية) عن غيره مما هو مرقون أو مكتوب في الكتب والمجلات وغيرها، هو ذو طبيعة مميزة فنيا وجماليا، إذ له أثر على نفسية القارئ،كما له وقع في وجدانه وأحاسيسه.
والأدب الذي لا يُحدِث تَغييرا فكريًّا في المُجتمَع.. هو أدب لا يلامس واقع الناس ولا يهتم بقضاياهم ولا يتناول مشكلاتهم، وبالتالي فهو مجرد كلام عاجز عن التغيير على مستوى الفكر والمجتمع، ولنا في أدب السلف من الأدباء الذين أحدثوا تغيرا بقصائدهم وكتاباتهم نماذج كثيرة في تراثنا العربي قديمه وحديثه.
وإذن فأدب قادر على أن يترك بصمته على سلوك المتلقي، وأثره البالغ في نفسيته، دليل على فاعليته ونجاحه.. ولا يتم ذلك إلا بصدق المشاعر التي تكون بمثابة المرآة العاكسة لتلك المشاعر في سطور مرصعة بدرر النوادر الأدبية.
الأستاذ محمد خضير "شاعر"
تغييب عن المهرجانات لأصحاب الأقلام الجادة والقادرة على رفد خزانة الأدب
كيْف تَرَى الجَمال في الأدب قديمًا وحديثًا؟
الجمَال، ومنذُ قابيل الذي فتكَ بأخيه، كان مادةً للصِّراع والسَبْق، وعندما استطاع الإنسان إيجاد سُبل الإبداع؛ نحتَ ما سَلَب لُبَّهُ على جدران الكهوف في رسالة تؤكّد أنَّ الجمال يستحقُ مِن الحياة خُلودها. وحين أدركَ هذا الإنسان سرَّ الكتابة؛ مضَى إلى توثيق الجمال بقصائد ساقَها آلاف الشّعراء والفنّانين إلى أن وصل هذا الجمال اليوم إلى فكرة التجريد باللون والكلمة. وقد استطاعوا قديمًا إتقان وصف الجمال لأنّه خَلا من أقنعةٍ صنعتها "المكياجات"، غير أنَّ الوصفَ اليوم تزيَّنَ بشيء مِن "مكياج" اللغة ففقد شيئًا من قيمته، وكثيرًا من أغراضه.
هلْ كُلُّ ما يُكتَب في الأدبِ أدبٌ؟
أعتقد أن الأدبَ قد أصابه شيء مِن التحوّل بعد أن صنعَت مواقع التواصل الاجتماعي مِن روّاد صفحاتها كتّابًا وشعراء لا يدركون سرَّ الموهبة، ولا يتقنون صناعة الدهشة. ناهيك عن الجوائز التي أشعلَت سباق الكتابة بحيث أمست الأجناس الأدبية تُفصَّل على قياس هذه الجوائز التي ذهبت إلى مقاييس سياسية ومحاصصة لا علاقة لها بالثقافة المرجوّة.
كيْف تَصفِ الأدبَ الَّذي لا يُحدِث تَغييرًا فكريًّا في المُجتمَع؟
هو لا بدَّ أدب رخيص منطوٍ على نفسه وصاحبه، لأنَّ أسْمى رسائل الأدب هي ما ينعكس منها على سلوك العامة، وإذا خَلا هذا الأدب مِن فكرته التي قامَ عليها أَولى بناشِره أنْ يدرك حجم مساهمته في إتلاف الذائقة ونشر الكسَل الفكْري.
ما السَّبيل إلى أدبٍ فاعلٍ؟
الأدب الفاعل يحتاج منا إيجاد منابر حقيقية تدرك حجم الحروب المعلنة على الّلغة العربية، وقادرة على إنهاء فكرة الخلط بين الشاعر والمتشاعر، وبين الناقد والحامد، وأن تكون هناك لجان تابعة لجهات النشر تُعنى بتحمّل مسؤولية ما يُنشر ومراقبته من حيث المهرجانات التي يشارك بها المقرَّبون مِن المنظِّم وذلك على حساب أصحاب الأقلام الجادّة والقادرة على رِفد خزانة الأدب بأعمال تعكس الثقافة الحقيقية لهذه الأمة. الّلغة والمضمون، وأن لا يُترك الحبل على الغارب كما هو الحال في كثير من البُلدان.
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق