#تأملات_رمضانية:
حاجة الأمة القدوة الحسنة
تعلمنا أن الذي فشل في قيادة نفسه إلى الخير، فإنه أعجر أن يقود غيره إلى الفضائل، و أن الذي عجز أن يسوس نفسه بالتحلية و التربية، أعجز أن يقود غيره لسلم الإرتقاء و الرفعة ، إذا كانت نفسه الأمارة بالسوء تتحكم في قيادته.
إن المشكلة اليوم في مجتمعاتنا ما نفقده غياب القدوة الحسنة؛ لأن الشاهد في القرآن الكريم يقول الله تعالى ( أتأمرون الناس بالبِرِّ وتنسَون أنفسكم) - البقرة، 44
فلا يستقيم الأمر و الحال. على ما نرى، لأن الأصل في الحياة أن المحسن قدوة للمقصر، و أن الطائع قدوة للعاصي، و أن المجد قدوة للمقصر الفاشل، و أن العادل المؤثمن قدوة للظالم الخائن و هكذا دواليك .
و في هذا نظم أبو الأسود الدؤلي قصيدة حِكمية في نحو أربعين بيتًا، تتناول موضوع القدوة الحسنة :
يأيها الرجلُ المعلّمُ غيرَه
هلاّ لنفسك كان ذا التعليمُ
ونراك تُصلح بالرشاد عقولنا
أبدًا وأنت من الرشاد عديمُ
ابدأ بنفسك فانهَها عن غَيِّها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل ما تقول ويُهتدَى
بالقول منك، وينفع التعليمُ
و في هذا يرشدنا المولى عز و جل إلى حسن الإقتداء بالنموذج المثالي الجامع لكل مراتب الكمال، النموذج القدوة
يقول الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، والأسوة هي القدوة، و هي النموذج التطبيقي الذي على العقلاء اتباعه للسير في طريق الحق،و اتباع طريق الهداية.
و توافقا مع الأية الكريمة حين أمر الله رسوله بتبيلغ رسالة الإسلام لقريش أهله مختبرا إياهم ، لمعرفة صدق قدوته على قومه ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أريتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟).
قالوا: نعم؛( ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا) .
و الإجابة تؤكد أن رسول الله قدوة حسنة بين أهله رغم تكذيبهم رسالته ، و مع ذلك يقرون له الصدق و الأمانة،و حسن الخلق .
لهذا وجب على المرء ﺑﺪﺃه برعاية نفسه، و تهذيب خلقه، ليكون نموذجا صالحا بين الناس، ﻛﺎﻥ بمقدوره قيادة غيره للنفع العام، و كان ﺃﻗﺪﺭ زرع الخير بين الناس، أما إذا عجز في في مهمة ارشاد نفسه ؛ ﻛﺎﻥ ﺑﺈﻫﻤﺎﻝ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﺟﺪﺭ.
ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ اﻟﺤﻜﻤﺎء القدامى حكمة بليغة ما أحوجنا للأخذ بها ( ﻣﻦ ﺑﺪﺃ ﺑﺴﻴﺎﺳﺔ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﺩﺭﻙ ﺳﻴﺎﺳﺔ اﻟﻨﺎﺱ)
ﻭﻗﺪ ﻗﻴﻞ ﻓﻲ مأثور الموعظ و الحكم ( ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻠﻌﺎﻗﻞ ﺃﻥ ﻳﻄﻠﺐ ﻃﺎﻋﺔ ﻏﻴﺮﻩ ﻭﻃﺎﻋﺔ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻤﺘﻨﻌﺔ ﻋﻠﻴﻪ)
ﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻋﺮ
(ﺃﺗﻄﻤﻊ ﺃﻥ ﻳﻄﻴﻌﻚ ﻗﻠﺐ ﺳﻌﺪﻯ ... ﺗﺰﻋﻢ ﺃﻥ ﻗﻠﺒﻚ ﻗﺪ ﻋﺼﺎﻛﺎ)
فلنحذر الغفلة ، فنهمل إصلاح أنفسنا ، ثم نخرج للناس نقدم الدروس و المواعظ ، و نحن أحوج ما نكون لتلك الدروس و تلك المواعظﻭﺭﺑﻤﺎ ﺣﺴﻦ، و لا يغرنا حسن ﻇﻦ اﻹﻧﺴﺎﻥ بنا فنغفل ﺃﺧﻼﻗنا .
و في الختام أسوق لكم هذه الفائدة التربوية ليتعلم منها المدرسون و الأساتذة و المربون أهمية القدوة في حياة الأمة ، و أن حاجتنا للقدوة ملحة فلنقرأها بتمعن و فقه
أوصى أحد السلف معلم ولده قائلاً: "لتكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت".
نسأل الله أن ينفعني و أحبابي بما كتبت، و أن تكون لي صدقة جارية و لمن رباني و أحسن تربتبي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق