#تأملات_تربوية:
الإسلام و معيار الصلاح
لست أدري ما أصاب العرب! مازالوا على عهدهم، يعيشون بأوهام الماضي البائد، يعيشون على رسم موروث الأباء كأني بهم ورثوا أمجاد الماضي التليد، لا ينفك أحدهم يتغنى كان أبي، و رثت شرف أبي، ورثت شرف الأكرمين. إنها عقدة الماضي تتجدد ، كلما أردنا أن نغير جلدنا العفن ، أخرجوا لنا من مخزونهم الأغنيات الماجنة.
إن الأباء الصالحين لم يورثوا أبناءهم دينارا أو درهم، لم يورثوهم القصور و الدور، كما أنهم لم يورثوهم رقاب الناس و استعباد الناس، إن الأباء الصالحين ورثوا أبناءهم الأدب و الأخلاق، و رثوهم العلم و الفضائل، و رثوهم الذوذ عن الحياض و الدفاع عن القيم .
يقول الإمام علي كرم الله وجهه : "خير ما ورث الآباء الابناء الأدب" إن الأباء الصالحين لم يورثوا أبناءهم التعالي و الكبر و المكابرة على الخلق، و لم يورثوهم النيل من قيم الأمة و مبادئها ،و لم يورثوا احتقار شعائر الإسلام و الانتقاص من قدر ورث السلف الصالح
إن الأباء الصالحين ورثوا أبناءهم المكارم الجليلة، التي تحمل الخير و الهدي و الصلاح للدنيا، تحمل رصيدا يتجدد ، رصيد موصول بالنفع الدائم ، أتمثل ذلك الخير في أقوال مأثورة دونها الشعر و الأدب .
يقول الشاعر:
ورثنَا المجدَ عنْ آباءِ صدقٍ
أسَأنَا في ديارِهِمُ الصّنِيعَا
إذا الحَسَبُ الرّفِيعُ تَوَاكَلَتْهُ
بُناة ُ السّوءِ أوشكَ أنْ يضيعَ
و هذا حالنا اليوم أصبحنا نورّث صلاح الأباء للأبناء العاقين الأبناء المتمردين عن كل قيمة صنعها الأباء الفضلاء ، إن معيار صلاح الأبناء واحد لا يختلف فيه العقلاء، معيار له مؤشرات قيمية محددة ، معيار نستلهمه من المنهج الصحيح ، إنه معيار الصلاح، فالقريب من الأباء الصالحين القريب إلى منهج الصلاح، لأن الأصل المفاضلة بالخيرية و ليس غيرها ، فإن شد الأبناء عن منهج الصلاح و ابتعدوا عن القيم و المباديء الصالحة، فلا ينفعهم صلاح أبائهم، و لا رتب أبائهم و لا جهاد أبائهم و لا علم أبائهم ، لأن عمل الأبناء غير صالح .
و أحسب أن من كان مستنا فليقتدي بمحمد صلى الله عليه وسلم و من كان متبعا فليكن هديه الحبيب ، و الرسول أجلى لنا الغبار و أبان لنا الحق في المسألة بأن الذي يريد الحق عليه أن يشتري نفسه، لأن الحبيب لا يغني عن عشيرته و أحسابه و أبنائه و عمومته .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قَالَ : ( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) رواه البخاري (2753) ومسلم (206)
ولم نقف في أي من روايات الحديث على التصريح بالشفاعة ، ولكن معناها داخل ضمن الحديث : كما يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" في قوله : ( لا أغني شيئا ) إضمار : إلا إن أذن الله لي بالشفاعة " انتهى.
" فتح الباري " (8/502)
نسأل الله أن يردنا إلى الحق البين، فنحمل رسالة البشائر فننطلق بها في سماء الدنيا ننشر خيرها، نحمل نفعها للبشرية، نحمل الخير و نحن نقتدي بالصالحين العاملين الثابتين على الحق، نرجو رحمة ربنا و مغفرته، نرجو جنته و توابه.
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق