همسة في أذن شاب
أي ولدي الغالي ،أيها الشاب الذي رسمته في مخيلتي صورة خمائلية ، صنعت له رسما في مخيلتي ، رسمت له صورة من قطف شبابي ، حين كنت شابا في مقتبل عمري ، تخيلته أنا أعبر بدايات طريقي، أرافق الأصحاب في بداية مسيري ، كطفل صغير في أول خطوه ، يحلم مثل العصفور في بدء تحليقه .
عادت بي الذاكرة لتلك الأيام الأولى، حيث سلسلة الأوراق، نصادق الكتاب، نقرأ بنهم، ندون ملخصات مطالعتي على كراستي، أرسم رؤوس أقلامها .
كنت صاحب تلك اللمسات المضيئة في عالم مزهو بالثقافة، في بيئة صاغها الجفاف و الركود و الجحود ، لكن رغبة الشباب في تلك المرحلة، كسرت القيود بقفزة نوعية و رفع الشباب متحديا ذاك الجمود و الركود، ، فكنا نتابع جديد الثقافة من خلال معارض الكتاب التي تقام في قصر المعارض ، أو خلال المكتبات أذكر منها للمثال لا الحصر مكتبة قرفي أو مكتبة دار الشهاب أو الزيتونة أو مكتبة دار الخلدونية، لقد كانت هذه المنارات السرج الثقافية في وقتنا.
و أنا أسترجع ذكرياتي مع الكتاب و المطالعة، رغم تبذل الأحوال ، يبقى الحنين يشد أمثالي لتلك الفترة ، يشدنا بجمالياته و روعاته، فلم تكن الظروف كعهدنا اليوم ، حيث أصبحت وسائل التعلم و القراءة و التثقيف متاحة من خلال تكنولوجيا العصر .
فقد كان الشباب في تلك المرحلة ، يتقنص الفرص، يغتنم المناسبات ، يطوي المسافات ليشارك بحضوره الملتقيات و الندوات و المعارض الثقافية، فكان الشباب يومها لا تفوته فرصة المشاركة في الحراك الثقافي المبدع .
و أن ما ميز حياتنا و نحن فتيان، ذلك التعاضد القوي، الذي صنع مشهدا ثقافيا مميزا ،نشط الفرق الإنشادية و أقام المسارح، و أقام الملتقيات الثقافية، و أنشأ قاعات المطالعة في النوادي و المدارس ، فقد كان شباب ذلك الوقت شبابا واعدا واعيا ، يحمل مشروعا ، يحمل مشروع يقظة بصدق .
و اليوم و أنا على أعتاب العقد السادس، مازال تعلقي بروح تلك المرحلة الذهبية، فما زلت أحن لتلك الأيام التي مضت ، أحن لأيام كنا مثل الشموع المضيئة، و مازال ذلك التعلق لمرحلة عمرية رسمت لها في ذاكرتي أعراسا و أفراحا، و مازلت اليوم أحن لأيام خلت ، أمني نفسي الضعيفة لتسعيد ومضة ذلك الزمن الجميل ،أمني النفس أن ترافق شباب هذا الجيل، فتحكي له حكاياتي، حكايات زمن ولّى، لكن نفحاته باقية، فما زلت أحن أن تجالس أنفاسي براعم الجيل الجديد ، و أن أدفع بحريريات طاقتي الضعيفة، لأسعد نفسي مجالسا الشباب ، أجالس الشباب أروي لهم قصة الثقافة في بلدي ، و أستمع لزفرات الشباب وإبداعات الشباب ، فليس كثيرا علي أن أمنح جزءا يسيرا من اهتماماتي لهذا الشباب الواعد ، من خلال مسيرتي المتواضعة أن أضع الجزء اليسير منها تحت تصرف أبنائي ، فأظل أتابع و أشجع كل مبادرة و كل خطوة و مشروع يرفع التحدي الثقافي في البلد ، لنكسر الجمود و السكون القاتل ، و الصمت المطبق ، و ذلك ليس مستحيلا، أن نر تلك الجهود المباركة و قد استحالت واحة تشع بإبداعات الشباب في شتى الفنون ، لنرى تلك الابداعات و قد ولدت فضاءات في القاعات و المعارض و المحافل تصنع الحدث بلمسات الشباب .
ما يعيننا في هذه المرحلة أن لا نسمع لنداءات الفشل المرافق لتلك الولادة ، فعلى الشباب الذي يحمل مشروعا أن يترك حياة الشباب الذي يعيش على الهامش ، الشباب الذي يعيش الاضطراب و التعثر ، الشباب الذي يستهويه التردد و الانزواء وراء الأوهام القاتلة ، فعلى الشباب أن يمضي ليستكمل مسيره في ثبات بخطى ثابتة بارك الله جهودكم في النفع الثقافي و أنتم و الثلة المميزة من الأدباء و الكتاب و الشعراء و رجال الإعلام و الجمهور المشجع .
ولدي الشاب لم يغب عن بالي أن البلد تخطو خطوات متقدمة في النشاط الثقافي المبدع من خلال تلك الماسات التي تحدت الواقع الصعب و الجحود لأهل الإبداع ، و لكن إصرار مجموعة محددة من أبناء البلدة رفعت الحجب ورفعت سقف المطالب ، أملي و أمنيتي أن يستمر العطاء لاستيعاب كل الكفايات الموجودة من خلال التنقيب واستثمار تلك المواهب في وعاء ثقافي جامع ، وهو أمر ليس مستحيل التحقيق ، إنما بالتفعيل و تجسيد المبادرات و المشاريع الثقافية أراه شريطة أن تتجمع الطاقات ، ليساهم الجميع في تلك اليقظة بمشاركته و حضوره و تشجيعه.
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق