الألفة الغافلة
ما شدني في مطالعاتي القديمة مصطلح وظفه الأستاذ الدكتور سعيد حوى صاحب التجربة و الفكر و التربية رحمه الله تعالى مصطلح سماه ” الألفة الغافلة ” و الغفلة مرض خطير، ينشأ حين تراكم الأحداث في سيرورة الحياة ،و تتشابك العوامل، فتمر على شريط تسجيل سريع، فيصبح التركيز ضعيفا ، و يصبح المرء لا يتأثر بالعوامل سلبا أو إيجابا ، كأن المرء في سرير التخدير و الإنعاش، فيغيب معه جهاز المراقبة؛ بسبب غفلة الألفة و التعود.
و قد أشار إليه القرٱن الكريم في مواضع كثيرة، مبينا تلك الحالة النفسية المرضية ، التي تغيب فيها بوصلة التوجيه و التحكم، فالقرآن الكريم وقف عند تلك الحالة مستعرضا صورها ، مصورا حالة المرء، حين يصاب بداء الغفلة ، فلا يفيق المرء نومه ، إلا إذا غاب أثر التخدير و التنويم، يستفيق حين تحصل النكسات و تحل المصائب، و تظهر نتائج قطف المحصول المخيبة ، هناك فقط ، تستعيد الذاكرة نشاطها، بعد فوات س الأوان، و فوات فترة المراجعة و تصحيح ، و يومها لا ينفع الندم، يستفيق ذلك الإنسان و قد وقع الفأس على الرأس .
و لكن الخسارة الكبرى؛ حين يخسر الإنسان نفسه، حين يفوته مواعيد جني المحاصيل ، و يصور القرآن الكريم حالة البؤس و الحسرة ، حين يأتي وعد الله، فتدرك العيون الحقائق ، و تنكشف الأسرار.
هناك فقط يدرك العبد غفلته ، و سهوه؛ كل ذلك بسبب تراكم المغريات و الشهوات يقول المولى عز وجل في بيان تلك الغفلة . {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}..
في غمار تلك الغفلة الضاربة، هناك من يعيشون اليقظة و الصحو، يتميز بها العبد المؤمن، من خلال اليقظة الإيمانية ، التي تحرك حاسة الاستشعار ، فتوجهه نحو الخير ، تحمله على مراقبة كل حركة و سكنة ، فتأخذ بيده نحو المعالي و طريق السعادة ، تبعده عن كل انحراف أو سقوط ، تأخذ بيده لطريق الجنة ، تصرفه عن طريق النار ، لأن العبد المؤمن دوما يقظ .
و حتى لا يصاب العبد بهذا الداء ، حث الله تعالى عباده المؤمنين لزوم العبادة بمفهومها الشامل ؛ لتحقيق الإرتقاء الروحي بالوسائل المشروعة المبينة في الكتاب و السنة المطهرة . يقول الله تعالى {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف205].
و من الوسائل المنشطة لزوم موائد العلم، فالعلم باب يغدي الروح و يصنع اليقظة، و من الوسائل المنشطة أيضا مصاحبة الأخيار من الصالحين، فالصحبة الصالحة لها أثرها في حياة الإنسان، و أن الاستفادة من تجارب الحياة دور فعال في يقظة الضمير و صحوه، فتجارب الحياة مدرسة مفتوحة.
نسألك اللهم يقظة إيمان يملأ حياتنا نورا و اشراقا و يقظة ، فيبعث فينا الحركة الموجبة، التي تسعد قلوبنا في الدارين، و نعوذ بك من الألفة الغفلة و النسيان .
الأستاذ حشاني زغيدي
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق