الأحد، 3 يناير 2021

الألفة الغافلة

الألفة الغافلة

ما شدني في مطالعاتي القديمة مصطلح وظفه الأستاذ الدكتور سعيد حوى صاحب التجربة و الفكر و التربية رحمه الله تعالى مصطلح سماه ” الألفة الغافلة ” و الغفلة مرض خطير، ينشأ حين تراكم الأحداث في سيرورة الحياة  ،و تتشابك  العوامل، فتمر على شريط تسجيل سريع، فيصبح التركيز ضعيفا  ، و  يصبح المرء لا يتأثر بالعوامل سلبا أو إيجابا  ، كأن المرء في سرير التخدير  و الإنعاش، فيغيب معه  جهاز المراقبة؛  بسبب غفلة الألفة و التعود.

        و قد   أشار إليه القرٱن الكريم  في مواضع كثيرة،  مبينا تلك الحالة النفسية المرضية  ، التي تغيب فيها بوصلة التوجيه و التحكم، فالقرآن الكريم  وقف عند تلك الحالة مستعرضا صورها   ،  مصورا  حالة المرء، حين يصاب بداء الغفلة   ، فلا يفيق المرء نومه  ،  إلا إذا غاب أثر التخدير و التنويم، يستفيق حين تحصل النكسات و تحل المصائب، و تظهر نتائج قطف المحصول المخيبة ، هناك فقط ، تستعيد   الذاكرة نشاطها،  بعد فوات س الأوان،  و فوات فترة المراجعة و تصحيح   ،  و يومها لا ينفع الندم، يستفيق ذلك الإنسان و قد وقع الفأس على الرأس  .
و لكن الخسارة الكبرى؛  حين يخسر الإنسان نفسه، حين يفوته مواعيد جني المحاصيل  ،  و  يصور القرآن الكريم حالة البؤس و الحسرة  ،  حين يأتي وعد الله،  فتدرك العيون الحقائق ، و تنكشف الأسرار.

          هناك فقط يدرك العبد غفلته ، و سهوه؛ كل   ذلك بسبب تراكم المغريات و الشهوات  يقول المولى عز وجل في بيان تلك الغفلة . {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}..

        في غمار تلك الغفلة الضاربة،  هناك من يعيشون اليقظة و الصحو،   يتميز بها  العبد المؤمن،  من خلال  اليقظة الإيمانية ، التي تحرك حاسة الاستشعار  ، فتوجهه نحو الخير ، تحمله على مراقبة كل حركة و سكنة ، فتأخذ  بيده نحو المعالي و طريق السعادة  ، تبعده عن كل انحراف أو سقوط ، تأخذ بيده لطريق الجنة ، تصرفه عن طريق النار ، لأن العبد  المؤمن دوما يقظ .

        و حتى لا يصاب العبد بهذا الداء  ، حث   الله تعالى عباده المؤمنين لزوم العبادة بمفهومها الشامل  ؛  لتحقيق الإرتقاء الروحي بالوسائل المشروعة المبينة في الكتاب و السنة المطهرة . يقول الله تعالى {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف205].

         و من الوسائل  المنشطة  لزوم موائد العلم، فالعلم باب  يغدي الروح و يصنع اليقظة، و من الوسائل المنشطة أيضا  مصاحبة الأخيار من الصالحين، فالصحبة الصالحة لها أثرها في حياة  الإنسان، و أن الاستفادة من تجارب الحياة دور فعال في يقظة الضمير و صحوه، فتجارب الحياة مدرسة مفتوحة.  

     نسألك اللهم يقظة إيمان يملأ حياتنا نورا و اشراقا و يقظة  ، فيبعث فينا الحركة الموجبة، التي تسعد قلوبنا في الدارين،  و نعوذ بك من الألفة الغفلة و النسيان .

الأستاذ حشاني زغيدي
 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق