من ثمار الأخوة
في غمرة الأيام و تقلباتها الجوية استحضرت عطر أيام خالية، كان لي فيها عواطف ندية ، و كان لي صحبة أحبهم ، جمعني و إياهم أيام حلوة، كانت أحلى من الماء الزلال، الذي يذهب العطش، و يروي الفؤاد، كانت تلك الأيام كجداول أنهار، تسقي المروج، لكن المودات الجميلة لا تدوم، لأن هزات الزمن و تغير الأحوال، تذهب نضارة بريق تلك المودات.
من شوق اللقاء، جلست مع صحبي، نسترجع أيامنا الحلوة، نسترجع عشرة عمر طويلة،
ضمني إليه ضمة مشتاق، يحن لوصال من يحب يقول صحبي : "أي أخي ،الذي لم تلده أمي، منذ أن باعدت بينا الأحوال و المشاغل، فارقت أرواحنا أنسها، و عاب طيفها الذي كان يسلينا ، و غابت أفراح خرجاتنا في البراري، حين كنا نقضي أجمل ساعاتها بين الكثبان الرملية ذات اللون الذهبي، كانت أرواحنا تصفو بأوراد كنا نرددها كأصوات الحادي ، كنا نتفكر و نتأمل جمال سحر الطبيعة الخلاب، جمال صاغه خالق مبدع..
كنا في أيامها خير ما يكون الأصحاب ، جمال خُلق و سمت روحي ؛ يزينه بياض القلوب الشفافة ، لا غل و لا حسد و لا مراء و لا جدل ،كنا في تواد مثل الجسم الواحد؛ كانت تلك الأخوة الربانية، نعمة ليست كباقي النعم، ومنحة و هدية لا تساويها هدايا البشر، وأُلفة أوثقَ رابطتها خالق السماء، فكانت المحبة خالصة لوجهه تعالى ، لأنها في عقيدتنا أوثق عرى الإيمان ، قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم، كمثل الجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الأعضاء بالسهر والحمى".
كنا في أيامها نحفظ العشرة، و نرعى الود، كنا نعتبر الأخ دخر أخيه و سنده الذي يقوى به ظهره و يحميه ، كانت تلك الصحبة يوم ذاك، دفقة حنان موصولة بالسماء، كنا نسعد لها و تسعد بنا، لأن بناءها قناعة مؤسسة ، يحفظها سند و فهم عمل.
يقول الله تعالى : (إنما المؤمنون إخوة)
كانت أخوتنا وثيقة الصلة بحسن السمع والطاعة لنداء السماء ، كنا نحرص ألا يعكر صفوها كدر و شوارد الأيام ، نؤدي حقوقها و نرعى شروطها.
و ما ذهبت تلك الروح إلا حين أصابتنا غفلة عشناها ،و انصراف و سقوط في الوحل.
و في ختام اللقاء أبرق لي صحبي بالخلاصة العاصمة قال : إن أخوتنا شجرة طيبة، إن عهدناها بالرعاية أشرقت شجرة الأخوة بعد ذبول، وترعرعت ونمت بعد هجران ، إن وثّقنا صلة المودة، نمت تلك شجرة الظليلة و أزهرت ، ثم أعطت أطيب الثمار.
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق