الأحد، 3 يناير 2021

حاجة الأمة للتربية الجمالية

حاجة الأمة للتربية الجمالية 

            من منا لم يتلذذ بمرحلة الطفولة، و من منا لم يعش أفراحها، و يتمتع بلحظاتها، كنا نستمتع بجمال و سحر الطفولة، كانت أيامها صفحة بيضاء مزينة بألوان الطبيعة الزاهية، لا زلنا نذكر كل لحظة جميلة عشناها في حضن الأم الدافيء، كنا نتحسس دفء العواطف، التي نحسها عند كل لمسة و كل ضمة، كانت تلك اللذة تبعث فينا الحياة. كنا نجد متعة لا تصور.
لا زلنا نذكر تلك الأيام الماضية، نذكر عرائسنا  المصنوعة من القماش القديم البالي و نذكر الكرات المصنوعة من جوارب  مرمية، نحشوها من قش و صوف، لتكون بديلا عن الجلد المنفوخ   .
مع تلك البساطة كنا نتذوق طمع حياة سعيدة..

           إن الجمال سر من أسرار الحياة، لا يدركه سوى البسطاء، الذين يتعاملون مع الحياة دون تعقيد، إن هذا  تحمله كلمات بسيطة، ترسل في ثغره ابتسامات، تصنع في القلب انشراحا و سعادة.
و ندرك الجمال  في جلسة مبسوطة في فضاء الطبيعة الرحب  ، فتتفجر في داخلنا روحا متجددة، تمنحنا طاقة و حيوية، في تلك الجلسة المبسوطة ينشرح الصدر و يصفو الروح .

          و قد ندرك الجمال في استراحة روحية في محراب التعبد  ،نستمع بلذة الإيمان المتدفق من أنوار الهداية   ، إن الجمال الذي نبحث عنه موجود بداخلنا،؛ لكن القليل من يدرك سحره الآخاذ  ، إن الجمال الذي نبحث عنه قد تصنعه نوطة شعرية أو لطيفة أدبية أو صورة جميلة، تصنع بداخلنا متعة لا تشترى بالمال.
  
       إن من يدرك الجمال و الحس المرهف  يسيح في الملكوت، يتأمل الجمال في كتاب مفتوح، جمال يُدرك حين نتأمل جمال الطبيعة  في شطآنها و جبالها و سهولها  .
و قد ندرك الجمال المكنون في  بديع صنع الله،  و في كل العوالم، ندركه في جمال الطيور و الأزهار و الخيول و الإبل.
  
        إن الجمال الذي نبحث عنه  يعطينا  شعوراً بالاستمتاع و يوقظ داخلنا إدراك عظمة  الله في خلقه.
و قد ندرك الجمال و حسنه في صفاء القلوب، و حسن المعاملة، و  قد ندركه في سرور ندخله على مريض يسكنه ألم  ، غيب عنه ابتسامة الأمل  ، و  ندركه حين تُملأ النفوس  بعواطف الحب الصادق الخالي من المطامع، حب  خال من نزوات المادة الرخيصة التي تكدر صفو الحياة و جمالها .
إن إدراك الحسن و الجمال أعدمته رعونة طباعنا،  و جفاء معاملتنا،  و انصراف شواغلنا في صروف الدنيا  لإشباع  نزواتنا  و هروبنا من أنس الحياة الجماعية  إلى  حياة الأنانية، فصرنا لا نبصر الجمال، و لا نبصر الحسن، لأن نابض حاسة  إدراك الجمال فينا  أصابه عطب كبير، عطل وظائفه و حبس منافعه.

       إن حاجة الإنسان اليوم  للحس الجمالي و معاملات الأريحيات و الأذواق  مفقودة ،و إن مرد ذلك كله،   غياب الاهتمام بالتربية الجمالية،  التربية التي   تحول البيوت اليائسة لبيوت سعيدة،  التربية التي تزيل جفاء طبعنا و غلظتها، من عقوق و تشدد، من  شحناء و خصام إلى الفجور في الخصومات   ، كل تلك الصفات السلبية هدمت بيوتنا السعيدة  .
لهذا كله  يتوجب على الأسرة و المدرسة و مؤسسات المجتمع وجوب  المساهمة لإرساء  منظومة القيم الجمالية في مناحي حياتنا كلها  ، حتى تصوغ لنا   مجتمعا صالحا متحابا ، يكون نتاجه  أسرا  سعيدة بعيدة عن التفكك و الضياع و يكون نتاجه   أبناء بارين ، يكونون  لبنات صالحة لمجتمع صالح.

الأستاذ  حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق