خاطرة : نفحات ذكرى الأخوة
في أحيان كثيرة نردد أمثالا من تراثنا الثقافي المسجى بالحكم و المواعظ في أيام الحاجة و الملمات ، نذكر أمثالا حين تحزبنا الشدائد، فيذكر المرء أحبابه ، يذكر المرء إخوانه ، فهل يذكرني أحبابي ؟! و هل يذكرون أيامي الجميلة بينهم؟! ، هل يذكرني أحبابي حين كنا نجتمع على خوان واحد على الحسر؟!
و هل يذكر أحبابي تلك الجلسات، حين كنا في الحلق نسبح و نذكر ؟! و هل يذكر أحبابي بكاءنا حين تعبر على الأمة نسمات شدة و ملمات ؟! و هل يذكر أحبابي أسمرانا و نحن نغني للأخوة ، نغني للوطن، نغني لفلسطين ؟!
هل سيذكرني أحبابي حين كنا نردد أجمل الأشعار في خرجاتنا بين أطراف الأنهار ، بين سفوح الجبال، و في شواطيء البحار؟!
حينها كنا نردد سويا أبيات الشعر، نتغنى بالأخوة.
أخي أنت لي دفقة من حنان
أخي أنت لي نفحة من أمان
وآمال قلبي ومشعل دربي
وأنت ضياء المدى والزمان
و هل سيذكرني أحبابي في جلسات التربية، في موائد الرحمات، حين كنا نتعلم و ندرس أبجديات التربية السليمة، يومها كانت الأخوة دين و ركن حصين من أركانه، أذكر حين كنا نتلو الأيات و الأحاديث، فترسم معاني الأخوة الصادقة في لوحة مضيئة، مشرقة بأنوار الإيمان.
أذكر كل تلك النفحات العابرة و لا أنساها، بل يظل طيفها يراودني من فينة و فينة، معها أذكر حالنا الذي أصبح لا يسر ، أذكر كل تلك الذكريات مع الألم .
نعم، سأذكر أحبابي و لو حالت بيننا أسوار و أسوار ، نعم سأذكر إخوتي و لا أنساهم ، فالحر لا ينسى وداد ساعة، فكيف ينسى المرء سنين عمر طويلة جمعته بأنفاس طاهرة عاشها في ظلال واحة الأخوة الظليلة .
إن الحر يذكر أحبابه طمعا في المغفرة و الثواب، نعم، نذكر أخوتنا في أحلك ليالينا المظلمة ، شعلنا نفك أسرنا المضروب بالعقد الوهمية، المضروب بالأغلال و الأصفاد.
ما كتبت خاطرتي لأتسلى بها ، بل نسجت كلماتها من عصارة الألم استحضر قيمة ضاعت في ساعات غفلة ، إن الشخص الغائب يذكره أحبابه في ساعة الحاجة الماسة ،يذكره أحبابه في الساعات جني المحاصيل ، فالأخوة زاد يجبر الكسر، يلم الجروح بعضها بعضا فتلتئم.
إن الأخوة هي كنزنا الحقيقي، و هي رأس مالنا الذي نتاجر به في أسواق الخير ، فالأخ هو سند ظهرك الذي يحميك، هو دخرك في ساعات الضيق و الكروب ، فأخوك أنيس وحشتك و باعث فرحتك ، هو سندك الذي تقوى به
في أيام الصعاب .
كعادتي أختم عاطفتي فإن من الشعر لحكمة و إن من البيان لسحر بأبيات من الشعر .
وقع بن الرومي في الأسر فكتب قصيدته التي تعد من أجمل قصائد الشعر العربي و التي
قال فيها:
أسِرْتُ وما صَحْبي بعُزْلٍ لَدى الوَغى،
ولا فَـرَســـــــــــــــــــــــــــــي مُـهْـــــــــــــرٌ، ولا رَبُّـــهُ غُـمْــرُ
ولـكـنْ إذا حُــمَّ القَـضـاءُ عـلــى امـــرئٍ
فـلـيْـــــــــــــــسَ لَــــهُ بَــــرٌّ يَـقـيــــــــــــــــــــــــــهِ، ولا بَــحْــــــــــــــــرُ
وقـال أُصَيْحابـي: الفِـرارُ أو الـرَّدى؟
فقـلـــــتُ: هـمـا أمــرانِ، أحْلاهُـمـا مُــرُّ
سَيَـذْكُـرُنـي قـومــي إذا جَــــدَّ جِــدُّهُــمْ،
وفـــي اللّـيـلـةِ الظَّـلْـمـاءِ يُـفْـتَـقَـدُ الــبَــدْر
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق