متى تكبر صغيري.؟!
من عجائب الفارقة في حياة الأمة أن سنن التدافع معطلة، و أن سنن التداول لا مكان لها في قاموس أمة حكمها التعصب و الأثرة ، و الاستبداد بالرأي، تموت أحلام العباقرة و المبدعين في المهد، و تموت الطاقات الخلاقة في السراديب، تشكو الهجر و التهميس و التحييد المبرج ، فلا ترى النور إلا في أحلام اليقظة، أو الهروب في عالم المجهول ، تلك قصة الشباب في عالمنا العربي ، لأن النظرة الدونية و الاحتقار هما ملح التعامل.
قلت في حسرة هذه الكلمات التعبيرية لحالة شبابنا:
مازلت صغيرا في عيونهم ، تداعبه الألعاب .
تسامره حكايات الجدات
مازالت أمي تلبسني بذلات العيد
و مازالت تناغيني ، تداعبني ، تضاحك أسنان الحليب .
فمتى تكبر صغيري؟!
مازلت أحمل كراسات دروسي، التي حوت أجمل أحلامي الصغيرة، في كل صفحة حكاية.
مازلت أكتب على القصاصات أحلامنا الزاهية .
كنت كغيري من الصغار أكتب أمنيتي ، التي كنا نقرأها على الأشهاد في حجرة درسنا.
كانت أحلامنا تسافر بنا بعيدا في الأفق، نسافر معها إلى فضاء لا ترسمه الحدود.
كنا نرسم أحلاما تحمل البشائر لعالم افتراضي جميل .
كنت أمنّي نفسي أن أصير طيارا
كنت أمنّي نفسي أن أصبح مهندسا
و كنت أمنّي أن أصير معلما فمديرا. فمفتشا.
كنت أمنّي نفسي أن كون إطارا في بلدي.
و كنت أحلم أن أكون إنسانا يبني، و يرسم، و يغرس، و يزرع، و يناضل كسائر البشر.
كنت أحلم أن أزرع أحلامي في بساتين الحياة ليقطف ثمرها صغاري حين يكبرون .
كنت دائما أعشق الطيور المغردة، و كنت أحلم أن أغرد مثلها.؛ و لكن أنفاسي خنقتها طموحات الشيوخ.
كنت أحب مرافقة الفراشات المحلقة على أكمام الزهور، و لكن وجدت خيوط العناكب السامة عجلت حتفي.
كان حلمي أن أبني مسكني في الريف بين الجداول و المروج، و لكن أحلامي ردمتها أكداس الأسمنت المسلح، فالأرض التي كنت أنوي أن أبني فيها مسكني قد بيعت بالدينار الرمزي للغرباء .
فأعدمت أحلامي التي كتبتها في دفاتري ، أعدمها غبار الأيام و طين الطمي .
فشخت و أنا أحمل أحلام الصغار، لأن مكاني لم يشغر بعد، فكل المناصب مشغولة للشيوخ القابعين على الأطلال ، مازالوا يسكنون كالأشباح .
فكنت أكلم نفسي في خلوتي في حجري القصري.
أهدي مع الصغار في ذهول و حيرة.
فمتى تكبر صغيري؟!
فحنت أحلامي بعد الشكوى تقول تطيّب خاطري، تسليني : ستكبر صغيري
حين ينبت الشيب في شعرك ، و حين يحدودب ظهرك ، و حين تصير تمشي يسندنك عكازك ،
يومها فقط تحمل المشعل تسلمه عند قبرك، تسلم المشعل لشيوخ عاشوا أحلامك الوردية
و ستقول و عيون الحسرة تكسوك موعدا ؛ متى تكبر صغيري؟!
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق